..............مقالات.....................


كلمات عارية : مساءات عينكاوا

شاكر الانباري

مهرجان الثقافة السريانية الذي أقيم في عينكاوا، مؤخرا، كان ناجحا بكل المقاييس. فخلال ثلاثة أيام قرئت عشرات البحوث، والدراسات، عن تلك الثقافة العريقة التي تعتبر من أسس الثقافة العراقية، وعرضت أفلام قديمة كتب لها السيناريو القاص والمسرحي إدمون صبري، حيث كان اسمه عنوانا للمهرجان تكريما لذكراه. كما استطاعت هذه الفعالية النبيلة أن تجمع أطيافا عراقية من المحافظات كلها.
وقد اشرفت على الفعالية المديرية العامة الثقافة السريانية في وزارة الثقافة بإقليم كردستان، وكان للوزير كاوه محمود والمدير العام د. سعدي المالح دور إضافي في إنجاح هذا المهرجان
الجلسات، والفعاليات، أقيمت كلها في مدينة عينكاوا، مما أضفى بعدا جماليا آخر على المهرجان. كل صباح كان المثقفون والأدباء يستيقظون على إطلالة مدينة مكتملة الجمال، بشوارع نظيفة، وواجهات أبنية أنيقة، وهدوء اجتماعي، وسلام كان يرفرف مع الهواء الخريفي الذي ينحدر إليها من الجبال البعيدة. كل شيء في عينكاوا له نكهة خاصة: الشراب، الطعام، وجوه النساء، تصاميم الشوارع وواجهات البيوت.
قال واحد من الأدباء إن عينكاوا تذكره بمدن أوربية طالما رآها وعاش فيها. إنها مدينة حضارية بالمقاييس كافة، حتى ملابس شاباتها وشبابها ذات نكهة أوربية تكشف عن مدى الحرية الشخصية التي يعيشونها. أول ما يجذب البصر هو البنايات الجديدة التي أضيفت إلى المدينة، فنادق حديثة، ومطاعم، ومولات، وشركات، تصاميمها تعكس روحا وصلت إلى مدارج الحداثة. الرأسمال الذي يستثمر هنا كما لو كان حريصا على إيصال هذه المدينة إلى أعلى السلم بين المدن السياحية. ورغم كل ذلك الجمال، والمساءات الملونة، والسلام المرفرف على تخوم المدينة وتفاصيلها، لكن معظم القادمين من بغداد، والمحافظات، كانت في قلوبهم غصة، وألم. هم يقارنون، يوميا، هذه المدينة وما يجري فيها من أعمار، وتنظيم، وتطور، بالمدن العراقية التي جاؤوا منها، خاصة العاصمة بغداد. العاصمة التي أصبحت مدينة جحيمية بامتياز.
كانت هناك مقارنات يومية، جميعها تصل إلى نتيجة واحدة: إن ما يجري في بغداد والمحافظات أمور لا تسر، ولا تبشر بخير، فليس هناك بين الطبقة السياسية من يهتم لإعادة بناء البلد، أو يخالجه الخوف على مصيره المتهالك. اتفق الجميع على أننا بين أيدي لصوص، ومزورين، وسراق للمال العام، وبياعي كلام سياسي فج، لا أكثر ولا اقل، وإلا لِمَ لمْ ينشئوا مدنا مثل عينكاوا، وأربيل، ودهوك، والسليمانية، وغيرها من مدن الإقليم؟ الأموال موجودة، والأمان هم يصنعونه أو يجهزون عليه عبر ميليشياتهم وحماياتهم وأعوانهم وإعلامهم، والشركات على الأبواب، والحاجة وصلت إلى مستوى حضيضي. فلم لا يرى المواطن أي اثر للبناء، والتنظيم، والوجه الحضاري، كما في هذه المدينة الصغيرة المسماة عينكاوا؟
هذه الأسئلة، وغيرها، رددها عشرات المثقفين الذين عاشوا أيام الثقافة السريانية في عينكاوا، ونغصت عليهم سعادتهم في تلك المساءات الساحرة. لذلك ما أن اتجه بهم الباص نحو بغداد حتى اكتست الوجوه بالغم، وتصاعدت التأوهات، والغمغمات، والحسرات.  فهم يفارقون جنة صغيرة ليدخلوا، بعد سويعات، تلك المدينة العملاقة، بغداد. المدينة التي ستلتهمهم بفكوكها الجحيمية، وتتركهم حطاما بشرية، مثل بقية الملايين، من دون أية رحمة تذكر.