..............مقالات.....................


الاراميون والكلديون ودورهم في بلاد بابل - العراق القديم

فؤاد يوسف قزانجي

ملخص البحث

يوفر هذا البحث دراسة  تاريخية   لتحركات القبائل الارامية والكلدية التي هاجرت من سوريا او بيت-آرام في القرن الحادي عشر ق.م.،لكي تستوطن في بلاد بابل التي تقع جنوب بلاد الرافدين (العراق القديم)، وكيف عاشت بقرب المدن البابلية مثل سيبار ونيبور ودير وغيرها ، وسكنت كذلك حول المستنقعات (الاهوار) وحول البحر المر (الخليج العربي) وذلك بين القرن الحادي عشر  والقرن السابع قبل الميلاد.كما يسعى الى القاء الضوء على اهمية اللغة الارامية  وانتشارها منذ القرن التاسع ق.م. بجانب اللغة الاكدية-البابلية، ثم نتعرف على ابرز القبائل الارامية والكلدية وابرز حواضرهم ومدنهم في بلاد ابابل . وبعدها سندرس  بالتفصيل الجوانب السياسية التي تمثل صراع الاراميين والبابليين العنيف مع الاشوريين ، اضافة الى  ابرز الانتفاضات والثورات والمعارك التي جرت بينهم وبين الامبراطورية الاشورية  خاصة في الربع الاخير من القرن السابع قبل الميلاد، حينما نجحوا في القضاء عليها بعد ان شاخت وضعفت،وبذالك استطاع البابليون والاراميون والكلديون اقامة امبراطورية بابلية شاركوا  فيها جميعا، لصنع حضارة بابلية جديدة مزدهرة.

يتالف البحث من ثلاثة مباحث هي:

1- الاراميون: اصولهم ولغتهم وهجرتهم الى بلاد بابل، واستقرارهم وصراعهم ومعاركهم مع الاشوريين.

2- الكلديون: اصولهم وهجرتهم الى بلاد بابل، واستقرارهم وصراعهم مع الاشوريين.

3-الاراميون والكلديون : ابرز حواضرهم ومدنهم في بلاد بابل.


مدخل 

عني المؤرخون والباحثون في دراسة تاريخ الشرق الادنى القديم وحتى وقت قريب، بنشاط وتحركات الاراميين وهجرتهم الى شمال كنعان(سوريا) واستقرارهم وتكوينهم ممالك عدة في سوريا وهضبة الاناضول والجزيرة، وتابعوا باهتمام مواجهاتهم مع الممالك العبرانية ،ومع جيوش الحثيين والاشوريين طيلة ثلاثة قرون او اكثرفي ساحات سوريا وفلسطين،لكن بحوثهم ودراستهم التاريخية فيما يخص الاراميين والكلديين وصراعهم مع الاشوريين في بلاد بابل او العراق القديم، ضئيلة ونادرة وخاصة باللغة العربية. وبحسب متابعاتنا في الببلوغرافيات العربية وفي مجلاتنا التاريخية من دراسات او بحوث في هذا الموضوع، لم نجد الا فقرات او صفحات تتحدث عن الكلديين باعتبارهم ورثوا بابل في عصرها الجديد.ولكن كيف جاءوا ومن اين؟ فلاتزال مشكلة بحثية ذات اهمية. وهنالك مؤلفان بارزان  باللغة الانكليزية هما اطروحة الدكتوراه للمؤرخ العراقي الاستاذ الدكتور سامي سعيد الاحمد(1968)(**)،  وكتاب الدكتور ادورد ليبنسكي (2000) بالاضافة الى استاذ فرنسي  وهو دوبونت سومر (1949 ) الذي اهتم بدراسة الاراميين في كتابه المترجم بعنوان( الاراميون)، ومع ذلك فقد تناولوا اصول الكلديين بايجاز، في حين ان النصوص الاشورية المعول عليها لم تذكر انها واجهت اية قبيلة او مملكة كلدية في فلسطين او سوريا الا اذا كان الكلديون هم اللذين يسمون بالسوتيين .  


المبحث الاول - الاراميون: اصولهم ولغتهم واستيطانهم وصراعهم  مع الدولة الاشورية

  يقصد بمصطلح الآراميين ، الاقوام السامية الذين خرجوا من البراري الكنعانية  . و يرجح ان هجرتهم كانت في القرن الخامس عشر قبل الميلاد . و كان استيطانهم وانتشارهم قد ظهر ابتداءا من  بلاد كنعان وصحراء النقب وما حولها في زمن سمي بأ سم رئيسهم ( آرام ) حسبما جاء في التوراة ، لذلك فأن الآرامية تشير الى  قوم أو أثنية معينة .  وقد جاءت هجرتهم بعد هجرة الاموريين الذين اجتاحوا سوريا ومن ثم بلاد الرافدين في القرن العشرين قبل الميلاد.  و من المؤكد انه في حوالي القرن الحادي عشر ق.م. ، أسس الاراميون  أول دويلة – مدينة لهم بأسم (آرام- صوبا) او زوبا ، ثم ارام-دمشق . و في حوالي عام (0 100 ق.م. ) كانوا يمتلكون  حوالي سبع أمارات في سوريا . يذكر العهد القديم ان الاراميين يمثلون قرابة الى العبرانيين، وانهم عاشوا في شمال كنعان وسميت البلاد التي انتشروا فيها بلاد ارام ،والتي كانت تسمى شمال كنعان وان جزأها الساحلي سمي بلاد الفينيقيين. وهكذا اصبحت تسمى  ارض-آرام او   بلاد-ارام ،وظل هذا اسمها حتى احتل اليونانيون الهلال الخصيب في القرن الرابع قبل الميلاد، فاسموها ( اسيريا) اذ اعتقدوا انها جزءا من بلاد اشور،ثم تصفح الاسم  وسميت سوريا. وقد ذكر الاراميون في الرقم الطينية باسم  الاحلاموا او بالاحرى الاخلامو منذ  القرن الرابع عشر في بعض رسائل تل العمارنة في مصر، وهي رقم طينية مكتوبة باللغة الاكدية-البابلية وبالخط  المسماري، كان قد تبادلها ملوك الفراعنة مع الملوك والامراء في بلاد ارام معظمها في عهد الملك اخناتون (نحو سنة 1375 ق.م. ).   كما جاء اسمهم كاخلاميين بمعنى المتجولين، اوبالضبط (اخلامة ثم ارامة) مرة اخرى في  رقم طينية مسجل عليها انتصارات ملك اشور: اريك دين ايلو في الشمال الشرقي من بلاد ارام (1319- 1307 ق.م.) والتي تتحدث عن انتصاراته على عصابات من الاخلامو او الاكلامو.(1).

وعلى الرغم من كل ذلك، فتصر بعض المراجع انه هنالك اسماء لعلها ارامية وجدت قبل القرن الخامس عشر في نصوص تعود الى الدويلة-المدينة ماري. ويرد الاستاذ دوبونت سومر قائلا:”بيد ان العهد القديم المقدس ، عندما يتكلم عن (الاباء) يذكر ان الاراميين كانوا قد استوطنوا القسم الاعلى من بلاد مابين النهرين منذ منتصف الالف الثاني قبل الميلاد . كما يذكر في مابين النهرين : بلاد ارام-نهرين و فدان-آرام ، حيث كان يسكن بتوئيل ولابان اللذان يلقبهما الكتاب المقدس ب(الاراميين). غير ان ما يرويه لم يسجل بنصه الحالي الا في القرن التاسع او الثامن قبل الميلاد. لذا فحينما تنوه النصوص بوجود آراميين في القسم الاعلى من بلاد ما بين النهرين منذ عهد الاباء ، قد لا يكون ذلك الا انعكاس حالة لم تتحقق الا بعد ذلك .”(*)

ان من اهم النصوص الاشورية التي تشير الى هجرة القبائل الارامية ومعها القبائل الكلدية ايضا، الى بلاد بابل (العراق القديم) هو الذي يعود الى  عهد الملك الاشوري   تكلات بليسر الاول (1115-1077ق.م.) الذي قاتلهم  في السنة الرابعة من حكمه ،اي في عام (1113 ق.م.) فشتتهم في منطقة آميدا  او الجزيرة ،شمال غربي بلاد اشور . ثم في عهد ابنه اشور-بيل-كالا (1073-1056 ق.م.) وكان هذا النص يشير مباشرة الى ارض-آرام، كما بين النص ان بلاد آرام تمتد على طول الفرات الاوسط وعبره حتى تدمورتا ومن ثم جنوبا الى جبال لبنان.

 وقد اندفعوا للهجرة الى بلاد بابل  في القرن الثاني عشر ، من جهة الجنوب ووسط غربي بابل ،حيث مدينة   خانات او ( عانات ) التي كانت أول مستقر لهم في بلاد بابل ، وذلك بسبب وجود مملكة اشور القوية  في شمال العراق القديم . وكذلك في منطقة آميدا ، ثم تسلل معظمهم وربما مع قبائل كلدية الى جنوب العراق الخصب و الوافر المياه ( جنة عدن ) ،حيث سكنوا على ضفتي نهر الفرات جنوب بابل والمدن التي حول بابل مثل سيبار ونيبور ودير وغيرهما وكذلك في منطقة الاهوار في اقصى جنوب بلاد بابل . و هكذا كانت هجرة الآراميين واسعة بحيث اقلقت الأشوريين الذين كانوا يحكمون بلاد بابل ويسيطرون كذلك على  شمال سوريا  ، كما أنها شدت من عضد المطالبين بعرش بابل من امراء بابل الفارين الى القطر البحري من السيطرة الآشورية . و حيث كان  الفينيقيون آنذاك  بحارة وتجار متميزون في سفنهم التي تجوب سواحل البحر الابيض المتوسط، فأن الآراميين كانوا قد امتلكوا تجارة البر و الصحراء. و كانوا يعرفون جميع الطرق البرية التي توصل القوافل التجارية الرئيسية بين الهند و بلاد الهلال الخصيب او بين فارس و ارمينية و بلاد الرافدين و سوريا .

و في القرن  التاسع  او ما بعده قبل الميلاد، قام الاراميون بتبني الالفباء الفينيقية  باعتبارها ابسط شكل من الكتابة بالنسبة الى لغتهم  السامية ،  اذ أن الألفباء المكونة من (22) حرفاً سهلت الكتابة على الآراميين و اضافوا اليها بعض حروف العلة الطويلة ، و في القرن السادس ق.م. زادوا عليها أربعة حروف جديدة هي ( الألف و الهاء و الواو و الياء ) التي استعملت كحروف علة تارة و طوراً كحروف صحيحة . و هكذا   سرعان ما أنتشرت اللغة الآرامية في الهلال الخصيب كله ومنها تفرعت اللغات العبرية والمندائية ثم السريانية وغيرها .(2) وصارت  لغة التجارة والدبلوماسية في المشرق ، بعد ان اصبحت  اللغة الرسمية للفرس القدماء  ( الاخمينيين ). كما اثبتت الدراسات الحديثة بوجود قبيلة آرامية حطت في شرقي الاردن باسم نباتو او نبياتو والذين اختلطوا بعد حين مع الأقوام الادومية ثم الاقوام العربية ، كما رحل قسما منهم  الى تدمورتا ،وقبيلة اخرى منسية هي تعمانو التي حطت في شمال شرقي سوريا . و صارت الارامية الوسيلة المناسبة للآداب الثقافية لليهود حتى القرن الاول للميلاد و كتب فيها كلاً من الترجوم و التلمود و هما من الكتب المكملة للعهد القديم بالاضافة الى كتابة اسفار توراتية بالارامية هي دانيال وعزرا ،كما ان لغة يسوع (عيسى) المسيح كانت الارامية ايضا.و يرجح ان انجيل متى كان قد كتب بالارامية اولا .  

استعمل الآراميون القلم المصري بالخط على ورق البردي  او على الرق مستخدمين الحبر من مصر . وصارت لغتهم هي التي يتكلم بها كثير من اهل فلسطين وسوريا والعراق، وفي اواخر القرن الاول انبثقت اللغة السريانية التي يتحدث بها غالبية مسيحي العراق  والجزيرة حتى الان بلهجتيها الكلدانية والاشورية. وهكذا نقلت لنا القوافل الآرامية مع البضائع قوائم البيع و الشراء و نظام الوصولات التجارية لأول مرة في التاريخ و لدينا شواهد على ذلك في رقم طينية من العصر الآشوري الأخير و العصر البابلي الأخير ، اذ ظل الآشوريين يكتبون على الرقم الطينية و كذلك البابليين حتى القرن الثاني قبل الميلاد. من بين هذه الشواهد لوح حجري منقوش عليه صورة شخصين يسجلان،فالاول يستعمل الرقيم الطيني والاخر يستعمل القصبة والحبر على قطعة من الرق بين يديه لكتابة الخط الارامي، واللوح يعود الى حاكم ارامي عينه الاشوريون، على منطقة كوزانا ويدعى (شنكو) .   والجدير بالذكر ان مابقي من كتابات مشرقية قديمة كانت بالارامية ، وذلك لان اللغة الارامية كان  يتحدث بها معظم سكان الهلال الخصيب . والدليل على ذلك في مخطوطات البحر الميت التي وجدت في قمران والتي تعود الى طائفة الاسينيين اليهودية الغنوصية فيما بين القرن الاول قبل الميلاد والقرن الاول للميلاد من بينها : الترجوم الاورشليمي وسفر التكوين المنحول وصلاة نابونائيد وسفر ايوب احد اسفار التوراة واجزاء من سفر اليوبيل كذلك التلمود البابلي ، كلها كانت مكتوبة باللغة الارامية الشرقية السائدة في العراق القديم الى جانب الاكدية-البابلية. بالاضافة الى ذلك كان كتاب الافستا الفارسي مكتوبا ايضا بالارامية . ولقد بقيت اللغة الارامية وفروعها سائدة حتى بعد مجيىء المسيح حينما تبناها المسيحيون ، وحتى الخط العربي فانه مشتق من احد انماط الخط الارامي المتصل كما يؤكد ذلك الباحث  جورج رو( ص373) .  ومن الجدير بالذكر ان تاثير اللغة الارامية استمر بعد القرن الاول للميلاد، وبرز ذلك في ممالك تاسست منها في القرن الثالث قبل الميلاد مثل مملكة ميشان  في جنوب غربي ايران، وفي القرن الثاني قبل الميلاد مثل مملكة تدمورتا ، ومملكة حطرى (الحضر)في شمال العراق القديم، وكذلك في القرن الاول للميلاد مثل مملكة اسرهوينا التي كان مركزها مدينة الرها وغيرها.

في منتصف ذلك القرن هاجمت قبائل الاراميين والسوتيين مدينتي سيبار وبابل ونهبتهما  مستغلة غزو العيلاميين الى بابل الذين استولوا على عدد من المسلات والتماثيل ومن بينها مسلة  قوانين  حمورابي التي نقلت الى عاصمتهم (سوسا)، واكمل الاراميون ومن معهم  نهب بابل في هذا الفترة التي سميت  بالعصر المظلم،وكان ملكا على بابل زبابا-شوما-آهي 1160-1159 ق.م. حيث يرجح انه قتل على يد ملك عيلام شوترك-ناخونتي الاول .وخلال القرنين الحادي عشر والعاشر ق.م. تم انتشار القبائل الارامية في وسط وجنوب العراق وخاصة المدن البابلية التي كانت لاتزال مزدهرة مثل سيبار ونيبور ودير التي اصبحت منذ القرن الثامن ق.م. مدينة آرامية. ومنذ القرن التاسع ق.م. ومابعده نرى شخصيات في بابل رجالية ونسائية ذات اسماء آرامية في سلك الكهنة او في مناصب ادارية ،وفي القرن الثامن ق.م. نجد ان بعض الوثائق الرسمية البابلية والاشورية، كانت تستعمل في الرسائل الادارية اللغتين الاكدية-الاشورية وكذلك اللغة الارامية. ويذكر المؤرخ الروماني ليفي، ان المقدونيين في سلوقية-دجلة وفي بابل قد اصبحوا يتكلمون ايضا باللغة الارامية، وان كثيرا من جنود جيش انتيوخس 222-187 ق.م. كانوا من الارامييين .

 وقد وصل الاراميون الى نهر اوقنو (كرخا) في اقصى جنوب غربي ايران اي في منطقة  ميشان او الاحواز.وكان الملك سنحاريب قد هاجم المنطقة عام 691 ق.م. والتقى بقوات مملكة بيت-اديني وهزمها عند بلدة حالولة على دجلة. ولم يمض سوى نصف قرن على استيطان الاراميين، حتى استطاع احد امرائهم من قبيلة عديني، ان يجهز جيشا ويستولي على بابل ولا نعرف اسمه الحقيقي ، ولكن عندما جلس على عرش بابل دعى اسمه (مردوخ-ايبلا-ادينا الثاني )، بعد ان طرد الملك الكاشي الاخير (مردوخ-ايبلا-ادينا الاول) . ويرجح انه قام بهذه الخطوة بالاتفاق مع الملك الاشوري (آشور-بيل-كالا) ابن تكلات-بليسر الاول الذي قضى نهائيا على الحكم الكاشي في العراق القديم ،بدليل انه تزوج بعد ذلك مباشرة ابنة الملك الارامي.  مردوخ – ايبلا-ادينا الثاني الذي حكم  في بابل زهاء 21 سنة وذلك بين الاعوام 1067-1046 ق.م. 

وبعد هذه الفترة، قام السوتيون (على الارجح هم الكلديون) بنهب مدن اكد ودير ودورانكي (نيبور) وسيبار وكذلك دور-كوريكالزو (التي بناها الكاشيون عاصمة لهم فترة من الزمن)، كما وردت في نص محفور يعود الى اواخر حكم الملك سيمبار-شيهو في الاعوام (1025-1008 ق.م.)(4) 

في عام 814 ق.م. قدم الاراميون في معركة (دور-بابوسكال) دعما قتاليا الى ملك بابل مردوخ-بلاتو-ايقبي الذي ثار على الهيمنة الاشورية في عهد الملك شمشي-ادد-الخامس.كما بقيت بعض الممالك والقبائل الارامية التي استوطنت في العراق القديم مستقلة، وراحت تهيىء نفسها لقتال الاشوريين .ومنذ بداية القرن الحادي عشر ق.م. ، كان الاراميون  يقدمون دعما الى البابليين في ثوراتهم ضد الاشوريين. وهكذا ظل الصراع محتدماً و مستمراً وذلك من اجل الاستيلاء على مملكة بابل غالباً بقيادة الأمراء و الزعماء البابليين اوالكلديين المعارضين للحكم الاشوري و خاصة الموجودين في مملكة القطر البحري التي كانت تشمل ساحل الخليج،المتحالفين مع  جيرانهم الميديين . و لدينا نص طريف يتحدث فيه الملك الاشوري سرجون الثاني عن الاراميين في جنوب العراق قائلاً : " ان السبيل المؤدي الى بابل مسكن انليل كبير الالهة ، كان سلوكه متعذراً و طريقاً صعبة في التنقلات و مسالكه مغطاة بنباتات شوكية و عليقات كثيفة و كانت الأسود و الثعالب ترتاده و تتراقص فيه كالحملان . اما الاراميون و السوتيون ( لعلهم الكلديون ) فقد عاثوا فساداً في الاراضي الزراعية ...فقطعت العليقات الكثيفة، واحرقت الاشواك والادغال، وبسلاحي صرعت الاراميين، ابناء قطاع الطرق، واجريت مجزرة للاسود والذئاب."  . و منذ الان سيعني بلاد ارومو ( ارام ) في النصوص الاشورية منطقة القبائل الارامية والكلدية التي تمتد من جنوب بابل حتى الخليج و شرقاً حتى نهر اوقنو  او كرخا . و كان الاراميون يستوطنون ايضاً على ضفة دجلة من جنوب بابل حتى الخليج لان دجلة والفرات كانا حتى القرن الاول قبل الميلاد يصبان مباشرة  كلا على حدة في الخليج . وكان لدى هذه القبائل  مراعي لا يعرف مداها وحيوانات مدجنة كثيرة ذكرت في احدى النصوص الاشورية ، حينما تم الاستيلاء عليها.

 في العام 712 ق.م. هاجم سرجون الاشوري بلاد بابل وقضى على الاضطرابات، لكن ا لقبائل  الارامية عادت وثارت في عام 710 ق.م. ، فهاجمها ودمر حواضرها، وثارت مرة ثالثة في عام    709 ق.م. عاد وحمل عليها وسحق جيشها ونقل اليها جماعات من الحثيين كانو يعملون لدولة آشور، كا اجلى قسما من الاراميين الى مدينة نينوى . وفي الاعوام ( 701 -703 ق.م. ) كان الملك سنحاريب قد اجتاح مناطق الاراميين بما فيها الاهواز(ميشان)  فحاصر قبيلة ( داكوري ) مع (250) قرية محيطة بها ، و كذلك (8) مدن كبيرة مسورة لقبيلة ( بيت سالي ) مع (120) قرية محيطة بها بالأضافة الى (39) مدينة اخرى مسورة لقبيلة (اموكاتي) مع (35) قرية محيطة بها . و كذلك (8) مدن كبيرة مسورة للكلديين مع (820) قرية . لقد دمر الملك سنحاريب معظم تلك المدن و القرى و احالها الى تلال منسية .(5)

وسعى آشور-بانيبال الملك المثقف الذي اقام مكتبة نينوى المتميزة، ان يعين ابرز علماء الفلك في بابل، ملكا على بابل وهو(كندلانو) وذلك في السنوات647-627 ق.م ، ليحقق نوعا من السلام في منطقة بابل ،كما زوج ابنته الى امير بابلي او آرامي هو والد الملك البابلي الاخير نابونائيد. لكن قبيل  وفاة هذا الملك الحكيم  سنرى ان الاضطرابات في جنوب بابل عادت  تشتد مرة اخرى . (6)

وفي نهاية حياة اشوربانيبال ، ظهر قائد كلدي  كان قد عينه اشوربانيبال ملكا على ارض البحر(حول البحر المر) اي الخليج ، يدعى  نبوبلاصر، الذي بدأ باحتلال بلاد بابل فلما مات آشوربانيبال وجه اهتمامه الاول الى الاستيلاء على سوريا وفلسطين بالنظر الى اهمية هذه المنطقة الحيوية لبلاد بابل، وليحول دون تغلغل الجيش المصري فيها، ويبدو انه كان مريضا فعهد لقيادة الجيش الى ابنه نبوخذنصر الذي اثبت انه قائد محنك كأبيه، فتقدم في اراضي  شمال سوريا حتى وصل كركميش، وفي هذه المدينة اوقع نبوخذنصرالهزيمة بالجيش المصري، وبينما كان يزحف بجيشه مطاردا فلول الجيش المصري في العريش قرب مصر، بلغته انباء موت ابيه، فاسرع الى بابل ليتوج ملكا في 32 ايلول من عام 604 ق.م. ودام حكمه 46 سنة كانت من العهود المجيدة في تاريخ العراق القديم، وفي زمانه اصبحت بابل مركزاحضاريا متميزا في العالم، كماغدت بابل اكبر مدينة في العالم القديم اذ بلغت مساحتها مايزيد على 18كم. وكانت السلالة  البابلية-الكلدية الأخيرة قد سقطت بعد اقل من قرن من الزمن و ذلك في عام (539 ق.م.) على يد الفرس  الاخمينيين الذي قدموا من الجنوب الغربي لايران ، ومع ذلك ظل تاثير الاراميين قائما في العراق القديم حتى سقوط مملكة ميشان في القرن الثاني للميلاد . وقد حقق انتشار اللغة الارامية   في ارجاء المملكة الفارسية حاجتها الى وسيلة مشتركة للتفاهم مع شعوب الهلال الخصيب ، فازدهرت الارامية واتخذها ملوكها لغة رسمية الى جانب اللغتين الفارسية القديمة و الاكدية- البابلية .

وعلى الرغم  من انتشار الاراميين في جميع انحاء بابل تدريجيا،  وتاسيسهم لمئات القرى والبلدات والمدن العامرة ،لكنهم كانوا مزارعين ومربي ماشية، ولم يسعوا لبناء حضارة او دولة ذات شأن خاصة بهم ، وفيما عدا لغتهم الموحدة التي شاعت، وتقاليدهم المتشابهة، الا انهم كانوا اسيري الحضارات التي قامت في سوريا  وفي سفوح جبال لبنان والعراق كالحضارات الفينيقية والاشورية والبابلية. وعلى الرغم من تاسيسهم لبعض الممالك الصغيرة الا انهم لم يستطيعوا التوحد في كيان قوي ، او دولة موحدة . 

 اما ثقافيا فقد تأثر الاراميون في بلاد ارام  بالفينيقيين وكذلك بالحثيين الذين جاوروهم، اما في بلاد بابل فقد تاثروا بالبابليين الذين كانوا في بابل تحت حكم الاشوريين، وربما ان  قادتهم تعلموا اللغة الاكدية-البابلية، وان بعض اسمائهم نجدها تبتدأ او تنتهي  باسماء بابلية. (7)

 كانت مكتبة مدينة نيبور قد احتوت على 129 رسالة متبادلة بين حاكم نيبور مع روؤساء القبائل الارامية بين السنوات 755-732 ق.م. اي قبل هجوم تكلات بليسر على تلك القبائل ومن هذه الرسائل ما تخبرنا عن معاهدة بين حاكم نيبور وقبيلة ( ربوعو) الارامية، كما تتحدث عن مدينة دير الارامية المهمة كمركز تجاري واستراتيجي بين بابل وعاصمة عيلام سوسا. 

هنالك وجهة نظر اخرى يواجهها الباحث في دراستة لبعض الاقوام الارامية بالنسبة لبعض المؤرخين الكلاسيكيين اي (اليونانيين والرومان) الذين يبدو انهم كانوا على غير اطلاع واضح عن منشأ وهجرة  الاقوام النبطية والتيمانية ، لكن المؤرخين المحدثين الذين درسوا النقوش الارامية واللقى والاثار القديمة،في سيناء وفي تدمراكتشفوا انهم ولابد من اصول آرامية مثل قبيلة نباتو في شرق الاردن،والتي نزحت من منطقة سيناء ، اما قبيلة تيمانو فكانت في منطقة الجزيرة والميشانيون في جنوب غربي فارس وذلك خلال القرنين الثالث والثاني قبل الميلاد. وعلى ذلك سنذكر بايجاز ماكتبه احد اساتذة التاريخ القديم تريفور برايس(2009) عن قبيلتي نباتو وتيمانو:

1- نباتو او نباياتو اي الانباط Nabatu or Nabayatu 

جاء في نص ارامي عثر عليه في سلع (بترا) ان قبيلة نباتو( اي الانباط) وجدت لها مستقرا في هذه المدينة . كما جاء اسمها نباتو في قائمة تتالف من 35 قبيلة ارامية كان قد هزمها الملك تكلات بليسر الثالث على الارجح في سنة حكمه الاولى سنة 745 ق.م.، وهذه القبيلة كانت اصل القبيلة التي استوطنت بلاد الموآبيين في شرق الاردن، ويرجح انهم نزحوا من شبه جزيرة سيناء، وكان قد عثر على ثلاثة عشر نقش لكتابة ارامية ويونانية ورومانية تدل على وجود النباتيين او (النبطيون) في شبه جزيرة سيناء، اذ كانوا قد سيطروا على حركة الملاحة في البحر الاحمر  ابتداءا من  ميناء (ايلا) ايلات، خلال القرنين 1ق.م.-1 م. وبؤكد كثير من المؤرخين العرب ان النبطيين كانت لهم لغتهم الخاصة وان لم يسمونها.

2- التيمانيون Temannites

 قبائل عربية و آرامية تحتل منذ القرن العاشر منطقة اعلى الخابور (في منطقة الجزيرة حاليا). اسمها مشتق من الارامية الذي يعني الجنوب وهم  ليسوا من مدينة تيما في شمال الجزيرة العربية. ادعى الملك ادد نيراري انه سنة 901 ق.م. وسنة 900 ق.م. هزم ثلاث ملوك تيمانيين هم :نور-حدد ومالي وموقورو ،خلال حملة ادد-نيراري الثاني على مدينة نشيبيني (نصيبين) التي تبدو انها كانت مدينتهم الرئيسة ، وخاصة في تجارتهم الى المشرق، وكان معناها  عندهم (ذات الاعمدة الخفية او السرية)، ويقصدون معبدها. ثم سميت ناوار او ناوالي ، وكان قد بنى فيها  معبدا كبيرا للاله حدد او نور-حدد. واصبحت منطقة التيمانيين التي مركزها نسيبين تابعتين الى احدى الولايات الاشورية، واسماها الاشوريين نشيبينا .ولم يكن للتيمانيين مملكة بعد ذلك . وكانت مدينة (جدارة) التي تقع جنوب غربي ماردين، احدى مراكز التيمانيين التجارية،والتي سميت في بعض الاوقات راقاماتو او رادامات، وكذلك مدينة هوزيرنا  او حوزيرنا،  التي كان قد اسسها الاكديون  على الارجح ،فاسمها اكدي او رافديني قديم،والتي كانت تبعد 16كم عن الرها ،  والتي اصبحت ايضا تحت سطوة الاشوريين. ولم يتحرر التيمانيين الا بعد سقوط الدولة الاشورية. (8)

   مصادر المبحث الاول

1- worrell , William . A study of Races in the Ancient Near East . Newyork : 1962 ( p. 113 – 117 )

(*) سومر، دوبونت .الاراميون .ترجمة الاب البير ابونا. بغداد،2004 . ص9.

2-   Dictionary of the Ancient Near East . Edited by: P. Bienkowski and A. Millard. Penn.2000 ,P28.

3-Enclopedia Britanica 2005 (Arameans)                                        

3- -- الماجدي،خزعل.المعتقدات الارامية. عمان: دار الشروق، 2000 .ص30 

4- Libinski,Edward. The Aramaeans: Their Ancient History, Culture and Religion. Leuvan:Peeters,2000 P.98

5- ساكز ، هاري . عظمة اشور، ترجمة الاستاذ عامر سليمان . بغداد : المجمع العلمي ، 1989                   ( ص 145 – 146 ) .كذلك انظر في كتاب العلامة البير ابونا(الاراميون في التاريخ) ص18

6- (Van De Mieroop,Marc. A History of the Ancient Near East.Blackwell,2009. P212

7-- باقر ، طه . مقدمة في تاريخ الحضارات القديمة . عمان: دار دجلة،2009 .ص625

8- Bryce, Trvor. The People and Places of Ancient Western Asia . London, Routledge , 2009. P.492


(*) فؤاد يوسف قزانجي (نينوى1935 -)

عراقي مغترب في المانيا منذ عام 2010 ،استاذ من الجامعة المستنصرية 2005 ،مؤلف اكثر من خمسة كتب في التاريخ ابرزها: 1-المكتبات في العراق منذ اقدم العصور حتى الوقت الحاضر،2000. 2- بغداد مدينة السلام : تطورها الحديث 2002  (باللغة الانكليزية) 3-العراق في الوثائق البريطانية 1986 (ترجمة وتحرير) 4- مدن عراقية تاريخية 2010  5-اصول الثقافة السريانية2010 . تاريخ الثقافة السريانية.اربيل 2013 يكتب في  مجلات الفكر المسيحي وبين النهرين في بغداد ومجلة سمثا في دهوك ومجلة حمورابي في  شيكاغو باللغتين العربية والانكليزية، ومجلة بلاتلا الالمانية في فورتسهايم باللغة الانكليزية ثم تترجم للالمانية، وغيرها.

 

(**) الاستاذ الدكتور سامي سعيد الاحمد1930-2006  احد الاساتذة العراقيين المتميزين الذين نهضوا في قسم التاريخ القديم والاثار في كلية الاداب بجامعة بغداد،كان يوجه كتابات الباحث التاريخية منذ عام 1975 . الف حوالي 24 كتابا في تاريخ الحضارات في العراق القديم والمشرق، كما ترجم ملحمة كلكامش عن اللغة الاكدية-البابلية، واشتهر باطروحته الفريدة التي تناولت انتشار  الاراميين وكذلك الكلديين في بلاد بابل ، وهي :

Ahmad, Sami Said. Southern Mesopotamia in the Time of Assurbanipal. (Ph.D. Denver Univ. 1962) Lahay, Motoun 1968,184p.



المبحث الثاني 

 الكلديون : اصولهم واستيطانهم واسهامهم في تكوين الدولة البابلية الحديثة 

 

في الحقيقة اننا امام معضلة تاريخية بشأن اصول الكلديين حينما يكتب احد معاجم الكتاب المقدس :

 “ ان الكلديين، هم الجماعات التي كانت في الجزء الجنوبي من السهول البابلية ودلتا نهري دجلة والفرات. حيث كانت كلا من مدينة اور واريدو لها ميناءا على الفرات. كانت اور موطن (النبي) ابراهام (ابراهيم) ومنها رحل ،باشارة من الله هو وعائلته. بعد حوالي 300 سنة دفع الشيطان المهاجمين الكلديين بالحاق الضرر بالرجل الصالح ايوب. (Job !:7 ), وحيث ان تاثير الكلديين قد انتشر شمالا، فان جميع اراضي بابل اصبحت تعرف بارض الكلديين. “(1)

بينما يذكر الباحث كلين دانيال : “ان الكلديين قبيلة كبيرة  هاجرت  مع القبائل الارامية من سوريا  وانتقلت الى جنوب العراق القديم  وذلك على الارجح في القرن العاشر  قبل الميلاد. “ (2)

ويعتقد  اكثر الباحثين ان الكلديين هم من اصول ارامية ايضا بدليل  انهم عاشوا جميعا سوية وكانت لغتهم هي الارامية، ومن  ثم ان تجاورهم وظهورهم في نفس الوقت في بلاد بابل كان مثيرا  للتساؤلات ، كما ان اتحادهم في الغالب للحفاظ على ممالكهم ومدنهم التي اقاموها في بلاد بابل او العراق القديم امام هجمات الاشوريين المتتالية يدل على انهم ،وعلى الارجح  كانوا ينحدرون من اصول واحدة . كما كانت علاقتهم جيدة بالبابليين  الذين كانو لايزالون موجودين في مدن بابل وسيبار ونيبور ومملكة البحر على الخليج وغيرها. فهذا جورج رو وهو مؤرخ متميز يشير الى اصل الكلديين على النحو التالي، وهو يتحدث عن القائد الثائر نبوبلاسر قائلا: “ وهو آرامي من قبيلة كالدو “(3) 

اما موسوعة (بنكوين) للحضارات القديمة فتشير الى الكلديين على النحو التالي:

“ وخلال بقية القرن الثامن ق.م. اضطربت الحياة السياسية في بابل بسبب الكلديين، وهم مجموعة من شعب سامي دخلت سهول بابل من قبل، ثم استوطنت  حول ساحل الخليج .(4) 

 كان ولايزال الباحثون المتاثرون بالدراسات البايبلية (الكتاب المقدس) يصرون على وجود الكلديين في بلاد بابل معتمدين على اراء المؤرخين اليونانيين الذين كانوا يطلقون على العلماء والفلكيين بانهم كلديين، دون ان يثبتوا لنا من اين جاءوا الى بلاد بابل.

والارجح لدينا انه في القرن  الحادي عشر او العاشر قبل الميلاد هاجرت الى جنوب العراق مع القبائل الارامية، قبائل  كالدية  ، كانوا ابنائها يسمون بالسوتو، حيث ورد هذا الاسم في سجلات الملوك الاشوريين اكثر من مرة ، واستقروا حول الاهوار او المستنقعات في اقصى جنوب بلاد بابل. اذ ان اقدم اشارة اليهم وجدت في حولية الملك شلمانصر الثاني تعود الى عام 851 ق.م. حينما اندفع بجيشه الى بلاد بابل، واستولى على مدينة باقاني التي كانت تابعة الى الشيخ الكلداني اديني رئيس قبيلة داكوري، ثم استولى على عاصمة مملكته (انزودي)، مما اضطر اديني ان يقدم له الجزية ،لكن بعد انسحاب الجيش الاشوري، هرب الشيخ اديني الى عيلام.

 أو ان الكلديين هم من بقايا الاكديين سكان بلاد الرافدين الاصليين، والذين كانوا يسكنون في مدن اكد ولكش وكيش ،ثم هاجر جزءا منهم الى اقصى جنوب البلاد، بعد سقوط الامبراطورية الاكدية، في نهاية الالف الثاني قبل الميلاد.وقد استقرت القبائل الكلدية، و عاشت في منطقة الاهوار (الايبارو) وكان مركزها بيت -ياقين  قرب الخليج. اما بقية عشائرهم و تجمعاتهم فكانت في بلدات بيت- اموكاني  وبيت- داكوري في جنوب العراق القديم. ويبدو انهم  تحالفوا مع ملوك سلالة ارض البحر الثانية التي كانت تنتشر  حول البحر الاسفل (الخليج). (5)

 ولقد ذكر الباحث كول سنة 1996 نتيجة قراءته لارشيف  مكتبة مدينة نيبور المجاورة لبابل بانه توجد منطقة في جنوب العراق تسمى (مات-كلدو) اي مستوطن الكلديين والتي تعود الى القرن التاسع  قبل الميلاد . اما ابرز القبائل الكلدية فكانت:

1- بيت اموكاني او عموكاني و معناها (القادمون من الوديان) وقد استوطنت  في شمال مدينة اوروك.

2- بيت داكوري ومعناها ( بيت الذكور او الرجال)، وقد استوطنت على سواحل  البحر المر (الخليج).

3- بيت ياكيني او ياقيني ومعناها (بيت اليقين) اي ان الالهة تجعلنا متيقنين. وقد استوطنت حول منطقة الاهوار (الايبارو ).

ان هذه الامارات الكلدية ظلت ذات تاثير في النشاط السياسي العنيف السائد في البلاد. ويرى بعض الباحثين انهم ذووا قرابة او صلة بالاراميين ، اذ لم يرد ان صراعا نشب بين بعضهم البعض، ويرجح اخرون انهم كانوا اكثر تمدنا من الاراميين لاتصالهم الشديد بالبابليين وقد تعلموا اللغة البابلية ايضا، كما انهم كانوا اكثر اهتماما بالسياسة واندفع قادتهم في عدة فترات للاستيلاء على عرش بابل، اذ استطاع ثلاثة من قادتهم ان يتولوا عرش بابل قبل انهيار الامبراطورية الاشورية.

 يبدو انه و منذ القرن التاسع  قبل الميلاد كان الكلديون والاراميون، اكثر استعدادا لقتال الاشوريين  لنيل عرش بابل بعد ان اصبحوا يشكلون قوة  سياسية و عسكرية  في جنوب العراق القديم. وكانوا غالبا ما ينجحون ولكن لفترة قصيرة حتى يصل اليهم الجيش الاشوري المدرب للقتال والحرب فيهزمهم. كان  اميرا  يدعى (اريبا- مردوخ)  من قبيلة (بيت ياقيني) الكلدية، وقد حكم في بابل زهاء تسعة سنوات قبل عام 760 ق.م. واصبح لقبه في بلاد بابل (المجدد لتاسيس بابل) وقد استعاد الاستقرار في بلاد بابل،وقام بابعاد بعض القبائل عن مدينتي بابل وبورسيبا، لانها كانت تغير عليهما، كما اصلح معبد مردوخ وعمر بعض الابنية فيها.   وبعد فترة من السيطرة الآشورية عليهم، نادى الامير الكلدي ( مردوخ -بلادن)  بالثورة على الآشوريين ودعا الى الاستقلال وتنفيذ حرب عصابات في الاهوار لاخراج الجيش ا لآشوري، وتم له ما اراد بسرعة وتقدم مع مقاتليه حتى  وصل الى المدن القريبة من بابل مثل كيش ونيبور وسيبار، حينذاك  جهز الملك الآشوري تكلات بلاصر الثالث (745-727 ق.م) جيشا حيث سرعان ما اجتاح المدن والبلدات الكلدية والارامية، كما استولى على مملكة ارض البحر. وكان مردوخ قد سعى للأتصال بملك يهوذا في فلسطين لمساعدته ولكن بدون جدوى . وهكذا ، سرعان ما وصل تكلات بلاصر الى قلب الممالك الكلدية ، اضطر مرودخ ان يقدم له الجزية والطاعة مع اواني وقلائد من الذهب واحجار كريمة والتي كانت تجلب من ماكان(عمان القديمة) او الهند. 

 كان تكلات بلاصر قد كتب في حوليته كيف استطاع ان يخضع 35 قبيلة ارامية ولم يذكر اي قبيلة باسم كالديا . كما عمل على تهجير بعض القبائل  الى اشور مثل قبيلة  لبابيدو. 

اما حولية الملك سرجون الثاني (722-705 ق.م.) والذي جاء بعده ،فتوضح ان القائد الكلدي (مردوخ ابلا ادينا) ،  كان قد استولى على عرش مملكة ارض البحر في اقصى جنوب العراق القديم، ثم استولى على بابل عام 721 ق.م.، وكون جيشا مؤلفا من القبائل الكلدية والارامية بالتعاون مع العيلاميين. ودعاه سرجون”ابن ياقيني و ملك الكلديين وملك كارديناش “، اي ملك بابل. وقابل مردوخ وجيشه، الاشوريين قرب مدينة دير الارامية في عام 720 ق.م.، وكان الاشوريون بعد قتال متكافئ ، قد ارادوا الانتقام من قبيلة (تعمانو ) فتحولوا نحوها واستطاعوا  تطويقها وقتل الكثير من مقاتليها ، وهرب البقية الى بابل المحصنة. ولم يجرأ سرجون على احتلال مدينة بابل،اذ بقي الملك الكلدي على عرشها حتى عام(711 ق.م.) . لكن سرجون عاد بعد عشر سنوات من الاستقرار في مملكة بابل وجنوب العراق ،بجيش جرار  فهزم الجيش الكلدي-الارامي قرب نهر (اوقنو) لعله نهر (العظيم الحالي)، واستلم منهم الجزية، وواصل زحفه نحو جنوب العراق وسيطر بسهولة على بيث- ياقيني وحرر من سجونها سجناء آشوريين من مدن سيبار ونيبور وبورسيبا، كان مردوخ قد احتجزهم ربما اثناء استيلائه من تلك المدن.(6)

وفي عام 705 ق.م. قتل الملك سرجون وهو يقاتل الحثيين في شمال سوريا، فثار اهالي مدينة بابل وطردوا الحامية الاشورية ، وعاد( مردوخ بلادن) الى عرش بابل. لكن واثناء حكم الملك سنحاريب وحسبما جاء في اخبار المؤرخ البابلي-الارامي الاصل برحوشا والمسمى ابضا  (بيروسيس) بأنه بعد اغتيال حاكم بابل (اكيسيسي) تقدم (مردوخ -ابلا- ادينا) واحتل بابل وما جاورها واصبح ملكا على جنوب العراق لمدة ستة اشهر. وبدأ يتصل مردوخ بأصدقاءه العيلاميين فأضطر سنحاريب ان يجهز جيشا ويتقدم من نينوى جنوبا على طول نهر (ثرثارا) حتى دور كوريكالزو احدى المدن الرئيسية في بابل التي  بناها الكاشيون-البابليون . وارسل مردوخ فرقة مسلحة بأسلحة ثقيلة لمواجهة سنحاريب بقيادة (تانابو) ولكن كانت النتيجة خسارة جيش مردوخ الذي هرب  الى حلفاءه بلاد ارض البحر  . عندئذ   استمر سنحاريب مندفعا بجيشه اللجب مسيطرا على معظم المدن الارامية والكلدية التي تضم (88) مدينة بالاضافة الى (820) بلدة وقرية كما سجلها سنحاريب،وكذلك  استولى على مملكة ارض البحر . 

لكن عندما صعد الملك سرجون على العرش بعد والده سنحاريب (618- 669 ق.م)،  تصدى له  اخر ابناء الملك مردوخ، واسمه (نابو- زير- كيتي- لشر) الذي جعل نفسه ملكا على بلاد بابل وعندما وصل الجيش الاشوري لم يستطع الملك البابلي مواجهته ففر الى عيلام . وقام في هذا الوقت رجال من قبيلته (بيت داكوري) الكلدية، بمهاجمة بابل وبورسيبا فما كان من اسرحدون الا ان ساق جيشه الى وسط بلاد الكلدانيين وقبض على شيخهم (شماش –ابني) واعدمه في بلاد اشور.

وفي عام 648 ق.م ثارت كلا من بابل والممالك الكلدية والارامية وكذلك حليفتهم بلاد ارض البحر مرة اخرى ، لكن اشور- بانيبال استطاع ان يهزم تلك الجيوش.  وبعد فترة من الزمن تحالف نابو- بيل الارامي مع ملك بابل  وهو اخو الملك اشور- بانيبال ، وثار معظم اهل بابل مع الكلديين والاراميين ، وعلى نفس الوتيرة هرب الجيش البابلي الى ارض البحر، عندما توجه اشوربانيبال وجيشه نحوهم .

اما آشوربانيبال ففي هذه المرة، وحينما وصل بابل، فكر بالامر بحكمة ،فقرر اختيار ملكا بابليا ، هو احد علماء الفلك وكاهنا معروفا، وهو كاندلانو، وبذلك ارتاحت القبائل الارامية، وحقق بذلك سلاما  في جنوب العراق امتد زهاء عشرين سنة، كما زوج ابنته الى امير بابلي هو والد الملك نابونائيد. كما عين شيخا  اراميا  حاكما على مملكة ارض البحر وهو (نابو-بيل-شوماتو) ثم اعقبه شخصية اخرى كلدية هو نابو-بلاصر. وقد ظلت الامبراطورية الاشورية مسيطرة على بلاد بابل حتى وفاة اشوربانيبال ، وكذلك على منطقة اوروراتو ربما حتى ارمينيا شمال بلاد بابل ،وكذلك منطقة  اميدا او بيت-بخياني (الجزيرة) و كذلك الممالك في سوريا  ومعظم مدن وممالك الفينيقيين على ساحل البحر الابيض المتوسط وفلسطين و شمال مصر.

 اطلقت النصوص البابلية على نبوبلاصر حال تحركه لقيادة الثورة البابلية -الكلدية التي اندلعت ضد الحكم الاشوري،بالجنرال ،ويرجح انه كان ضابطا سابقا في الجيش البابلي، قبل ان يعينه آشوربانيبال ملكا على مملكة ارض البحر . وكان تحركه في عام 626 ق.م. قبيل وفاة آشوربانيبال(لعله علم بمرض اشوربانيبال)، ويبدو انه استطاع ان يجمع جيشا  من البابليين والاراميين والكلديين، وان يتوجه نحو مدينة بابل التي اعلنت هي الاخرى الثورة ،ثم يدحر الحامبة الاشورية فيها، ويعلن نفسه ملكا  ، حيث توج ملكا على بابل في 23  من شهر تشرين الثاني من عام 626 . اما الملك البابلي المعين ،سين -شار-اشكوم فقد انسحب مع ثلة من الجيش الاشوري الى المدن التي تقع شمال بابل. 

وفي العام التالي ، توفي الملك العظيم اشوربانيبال وخلفه على مايبدو ملكا ضعيفا هو آشور-اتيل-ايلاني، ويبدو ان الزعيم الكلدي  نابو-بلاصر ، اثناء ذلك قد اتفق مع  الميديين على تقويض الحكم الاشوري. ثم لاحق نابو-بلاصر هذا الملك الاشوري الضعيف في مدن نيبور وسيبار ،حتى قضى عليه وتحول الى مدينة اشور ، فوجد ان حلفائه الميديين قد سبقوه  في نهب المدينة وتدميرها ، واثناء استراحة الملك نابوبلاصر والملك الميدي كي-اخسار ، تم عقد اتفاق مع الطرفين لاحتلال مدينة نينوى  والقضاء على الحكم الاشوري . وعربونا للاتفاق بينهما، قدم الملك الميدي ابنته (أميتس) ليتزوجها ولي عهد نابو-بلاصر الامير نبوخذنصر الثاني ، الذي سيكون واحدا من اعظم ملوك بلاد بابل .

في الحقيقة ان الامبراطورية الاشورية، كانت قد شاخت ، وتسببت عوامل عديدة في سقوطها من ابرزها اعتمادها على النخبة وعدم الالتفاف الى الطبقات الاخرى من الشعب. كما ان انتشار القبائل الارامية التي كانت معادية للاشوريين ،وتحينها الفرص للانقضاض عليهم وكذلك سيادة اللغة الارامية في معظم انحاء الامبراطورية وخاصة في بلاد بابل وسوريا وفلسطين ، جعل الاتصال بين القيادة وهذه القبائل والمشيخات ضعيف واحيانا بعيدا عن مايجري حقيقة، وفي سفر دانيال في العهد القديم يذكر ان الارامية كانت لغة الكلديين كذلك. وخلال  نهاية الحكم الاشوري ،بدأت اللغة الارامية تسود في معظم بلدان الهلال الخصيب،  واخيرا الصراع العنيف بين بلاد بابل التي اصبحت عدوة للحكم الاشوري خاصة عندما احرق وخرب مدينة بابل الملك سنحاريب،كما لم تعد الشدة  وحدها تفلح في اخضاع البابليين والاقوام الاخرى .

في عام 612 ق.م. تقدم نابوبلاصر  ، لمهاجمة نينوى عاصمة الاشوريين ، مع الجيش الميدي وحاصراها لمدة ثلاثة اشهر، الا ان الجيش الميدي انسحب عائدا الى بلاده اما مكتفيا بمانهبه من مدينة اشور او بسبب وجود خطر آخر يهدد بلاد الميديين. وخلال ايام قام الجيش البابلي بمهاجمة اسوار نينوى يساعده مقاتلين من قبيلة تدعى (الاومانمندا)؟ حتى سقطت نينوى بايديهم ، ولعل احد اسباب سقوطها هو انهيار احد اسوارها بفعل فيضان نهر الخوصر، مما ساعد على فتح ثغرة فيه. وقد نهبت المدينة كالعادة،وسلبت منها كنوزها والهتها، واحرقت قصورها، ودمرت المكتبات فيها. والارجح ان الملك الاشوري سين-شارا-اوشكين قد احترق في قصر اشوربانيبال. ( ومن هذا الحدث وردت حكاية الملك اسبانبر او سرد نا بالوس الميثولوجية، عن اشوربانيبال الذي توفي قبل ذلك ب10 سنوات على الاقل ).

أسس الملك نابو-بلاصر 626-605  السلالة الكلدية- البابلية وتوجه الى سوريا وفلسطين بالنظر الى اهمية هذه المنطقة الحيوية التي كان يرد منها معظم الضرائب والموارد المهمة، وليحول دون تغلغل الجيش المصري فيها. كما لاحق احد الامراء الاشوريين وهو آشور-اوبالت الذي هرب بجيش صغير الى حران ، لكن يبدو انه حينما وصل شمال سوريا مرض مرضا شديدا مما دعاه ان يسلم قيادة الجيش البابلي الى ابنه وولي عهده نابوخدنصر، الذي كان بجانبه يشاركه في معاركه، والذي اثبت انه شخصية متميزة وقائدا  محنكا  كابيه . تقدم نابوخدنصر بجيشه حتى وصل مدينة كركميش الاستراتيجية  حيث التقى بالجيش المصري فهزمه ، وصار يلاحقه على طول الطريق قرب الممالك والمدن الفينيقية والفلسطينية حتى وصل نهاية ارض فلسطين في مدينة العريش ، وحينما كان معسكرا يتهيأ لاحتلال مصر ، وصلته الانباء بوفاة والده الملك نابوبلاصر في عام 605 ق.م. فعاد الى بابل ،حيث جرى  الاحتفال بتوليه العرش البابلي في 13 ايلول من عام 604 ق.م. ودام حكمه 46 سنة .

كان عهده من افضل وازهى سنوات بلاد بابل ، وفي زمانه اصبحت بابل مركزا حضاريا مشعا بعلومه وثقافته على العالم القديم ، كما غدت بابل اعظم واكبر مدينة في زمانها، اذبلغت مساحتها 18 كم2 .  

 ان ملوك العصر البابلي الحديث لم يتخذوا بعد تأسيس مملكتهم لقب ملك ارض البحر بل اتخذوا جميعهم لقب ملك بلاد بابل وظلت العلاقات قوية بين بابل ومنطقة ارض البحر، ذلك ولا ريب لأن جميع تلك الاقوام قد اتحدت وشكلت شعبا  من اصول واحدة آرامية- بابلية-كلدية في العراق القديم. وكان وصول الكلديين الى الخليج في جنوب بلاد بابل ،قد جعل المؤرخين الاغريق يسمونه الخليج الكلدي بدلا من البحر الارثري الذي اعتقدوا انه يمتد الى البحر الاحمر .

كانت الدولة البابلية الاخيرة مقسمة اداريا الى ثلاث وعشرين مقاطعة ادارية في كل مقاطعة حاكم يعينه الملك، وفيها حاكم ارض البحر واسمه  (ايا- دايان). والمعروف ان السلالة الملكية الكلدية  لم تدم طويلا اذا ان حكم ملوكها لم يتجاوز 72 سنة اي  بين 625 -539 ق.م وهم نابو بلاصر ونبوخذنصر ونبوخذنصر الثاني (أميل- مردوخ) ثم نركال- شار- اوصور، ولباشي- مردوخ ثم اخيرا  نابونائيد الذي ترك عرشه بيد ابنه وغاب عن البلاد زهاء تسع سنوات، مما اعطى للفرس الطامعين بثروة العراق الفرصة  لغزوه والاستيلاء على مقدراته ومنافع حضارته. ولم يعد الى بلاده الا بعد ان عبر الفرس نهر دجلة متوجهين الى العاصمة بابل !  

في الحقيقة كانت السلالة البابلية- الكلدية ، قد اكملت مظاهر الحضارة البابلية التي كانت من اعظم الحضارات الانسانية اذ فيها اكتملت العلوم والآداب والمدنية في بلاد الرافدين  ووصلت الى ذروتها، وكان البابليون قد ساهموا في نشر الثقافة والعلوم الى منطقة  الهلال الخصيب،وربما في الجزر الموجودة في البحر الابيض المتوسط وبعض الجزر اليونانية.  كما انتشرت اللغة الارامية الى جانب اللغة الاكدية-البابلية وخاصة بين الاقوام الفارسية : الاخمينية والفرثية والساسانية. وقد استمرت اللغة الارامية بالانتشار حتى القرن الاول للميلاد. ويبدو ان الاراميين قد اندمجوا بالمجتمع البابلي حتى صعب التفريق بينهم وبين الكلديين او البابليين . (8)

ومن بابل عرفنا الرياضيات ومبادئ الهندسة وتقسيم اليوم والاسبوع والشهر والسنة، وكان الكلديون على وجه الخصوص السباقين في علم الفلك والجغرافيا كما عرفوا  حركة النجوم وحركة الارض ورصد الكواكب ومراقبة سقوط النيازك . وكان البابليون قد عبدوا لأول مرة الها واحدا وهو مرودخ ودعوه اله البلاد اي الاله الوطني، وتعد خطوة متقدمة في معرفة الاله الواحد  . كما تطورت لدى البابليين الشرائع والقوانين والتي استفادت منها شعوب الشرق وانتقلت الى الاقوام الاخرى مما ادى الى استقرار البلاد ونضوج العلم والادب والفن والعمارة . ولعل  الاغريق اكملوا في حضارتهم ، حضارة بابل .

 وهكذا نجد ان في عهد ملكهم العظيم نبوخذنصر الثاني (605- 562 ق.م) ،  اتسعت الامبراطورية البابلية حتى احتلت الهلال الخصيب ووصلت الى اطراف مصر وفي استيلائهم على مملكة اليهود في فلسطين قاموا بتهجير العديد من اهلها الذي سمي بالسبي البابلي . وعلى الرغم من قساوة تهجير اليهود ، الا ان المعتقد ان اليهود  قد تثقفوا واطلعوا  خلال مكوثهم في بابل على كثير من الافكار والاراء التي احتوتها الكتابات والملاحم البابلية المتعلقة بالتكوين وبداية الخلق والطوفان ووظفوا تلك الافكار (فكرة تأسيس الكون والطوفان) في سفر التكوين الذي يعد من اهم الاسفار المقدسة في العهد القديم. 

 وبعد غياب الملك نابونائيد عن بابل،لفترة تقارب التسع سنوات ،قام الملك كورش(سايروس) الفارسي بغزو بلاد ارض البحر، قبل ان يحتل بابل في تشرين الاول من عام (539 ق.م).  ويظهر ان الاخمينين قد اتبعوا سياسة الآشوريين في تعيين حكام لبلاد ارض البحر من اهلها، فكان حاكمها هو (دايان-شار-اوصور) وهو اسم اكدي-بابلي.                                                                                                         

المصادر

1- Insight on the Scriptures. Brooklyn: International Bible Asa. 1988 Vol. 1 P. 425 .

 2-  كلين، دانيال : موسوعة علم الآثار، ترجمة ليون يوسف برخو. بغداد: دار المأمون ، 1991 (جـ2 / ص 473).

3- رو، جورج. العراق القديم، ترجمة حسين علوان. بغداد: دار الشؤون الثقافية، 1986،ص 502

4- Cotterell, Arthur. ed. The Penguin Ency. Of Ancient Civilizations. The Rainbird (Penguin Book(. 1980,P.94

5- Libiniski, Edward . The Arameans: Their Ancient History, Culture and Religion. 2000, P 409-420 

 6 -قزانجي،فؤاد. “الكلديون: لمحة موجزة من تاريخهم العريق” بغداد ،مجلة بين النهرين،العدد 141 ص 51-56

)7)Ahmad, Sami Said . Southern Mesopotamia in the Time of Assurbanipal,(Ph.D.Denver)      Univ.1962 ). Lahay : Mouton,1968,184P. PP.58-61

 8 - شيلدن، نودلمان "ميشان : دراسة تاريخية اولية  ،، ترجمة فؤاد جميل. بغداد: مجلة الاستاذ مجلد 12 (63 – 1964) ص 434


             المبحث الثالث

الاراميون والكلديون: حواضرهم ومدنهم في بلاد بابل  او العراق القديم                                                                                    

منذ القرن الحا دي عشر، كان  الاراميون قد اسسوا في سوريا ممالك ومدن متعددة مثل  ارام-صوبا او زوبا  وارام- دمشق وغيرهما،كما استمرت هجرات الاراميين  نحوجنوب وغرب العراق القديم بازدياد هجمات  الاشوريين على ممالكهم في شمال بلاد ارام (سوريا).  وقد زحفوا  متسللين من منطقة أنات (عانات) وسط غرب بلاد الرافدين التي كانت غنية بالمزروعات والمياه. وجرى دفع الاراميين بعيدا عن وادي الفرات من قبل الملك تكلات-بليسر الاول منذ بداية القرن الحادي عشر، ولكن بدون جدوى فقد كتب في حوليته: “ نازلت الاخلاموا-آراميين في ثمان وعشرين معركة....ولقد هزمتهم في عانات  الواقعة في بلاد سوهو، حتى رابيقوم التي تقع في كاردونياش (بلاد بابل) وجلبت ممتلكاتهم الى مدينتي اشور.” (1)

كانت سياسة الملوك الاشوريين تقوم على ارضاء البابليين وحلفائهم الكلديين.( 2) وقد استطاع ثلاثة شخصيات  بابلية  ان تتولى عرش بابل قبل سقوطها الاخير بالتحالف مع البابليين  ، اذ كان آخرهم عالم الفلك  كندلانو. ويذكر انه قد وجدت كثيرا من الرسائل المتبادلة بين حاكم مدينة نيبور الكلدي مع بقية القبائل الارامية التي تتحدث حول التعاون  المشترك .

 ترك لنا  احفاد الارامييون في العراق في حطرى اي الحضر اكثر من 84 نقشا آراميا ، و في منطقة الخليج في احدى المدن القديمة في البحرين نقوشا آرامية  وفي بقايا مملكة ميشان، آثار عاصمتهم خاركس  في بيت هوزاي (الاحواز)، لكنها ليست ذات اهمية كالتي وجدت في ممالك الاراميين في  جميع انحاء سوريا.

  وعرف من القبائل الارامية التي استوطنت في جنوب العراق القديم مثل بيت- ياكين ولابادودو ولتاعو اوليتامو وكمبولو بالاضافة الى خمس قبائل كلدية  تعايشت معها ، وابرز تلك القبائل: بيت- ياكين اكبر القبائل الكلدية  وكذلك قبيلة بيت- داكوري وبيت اموكاتي(4) اما الباحث البريطاني جورج رو فيصف مجيىء القبائل الارامية على النحو التالي:”هناك احتمال كبير في ان  تكون اعداد من القبائل الارامية مثل اللتيا والبوقودو والكاممبولو التي نتعرف عليها بواسطة النصوص الاشورية، قد استوطنت في وادي دجلة الاسفل  وعلى تخوم بلاد عيلام ، كما تدفقت قبيلة كلدو في عمق بلاد بابل  ، ولم يكن احدا يتصور بان الكلديين سيقدمون الى بلاد بابل واحد ا من اعظم ملوكها وهو نبوخذنصر الثاني الذي سيحكم بعد هذا التاريخ بثلاثمائة سنة “( رو ،العراق القديم ص 378 ). (5)

 سنسعى الى البحث عن تلك الحواضر و المدن الارامية والكلدية التي استوطنت فيها ، ونتعرف على اهم نشاطاتها  في ظل الهيمنة  والصراع مع الاشوريين: 

1- -بيث-اموكاني او عموكاني Bit- Amokani

في بداية الالف الاول استقرت قبيلة بيث اموكاني الارامية في جنوب العراق، شمال مدينة اوروك، ومعنى عموكاني( الرجل القادم من الوادي). وكانت علاقاتها جيدة مع تلك المدينة. ثم هاجم المنطقة الملك شلمانصرالثالث واضطرت القبيلة والقرى التابعة لها ان تدفع له الجزية ، وفي اواخر القرن السابع قبل الميلاد وبعد ضعف الاشوريين، قامت باحتلال مدينة اوروك وسكنت فيها حتى القرن الاول للميلاد.

2- مملكة بيت- داكوري او بيت- دكروريBit-Dakkuri

وهي القبيلة الكلدية القوية التي استوطنت في جنوب العراق، وورد ذكرها في نصوص الملك شلمانصرالثالث (858- 824ق.م.).في عام 850ق.م. قام شلمانصر بتخويف قرى بيت داكوري ثم استولى على مدينتهم المحصنة (باقانو) واستمر في حملته حتى وصل المدينة الملكية للمملكة (هورادو) التي يقيم فيها ملكهم ادينو. وفتحها سلما، بعد ان وعده الملك بدفع الجزية المؤلفة من الذهب والفضة وكذلك الاخشاب.كانت هذه القبيلة تتطلع الى حكم بابل بشكل رئيسي، فقام احد احفاد الملك ادينو وهو(نابو- شوما- اشكون) بالزحف على بابل والاستيلاء عليها والجلو س على عرشها في الاعوام (760- 748ق.م.)، ولكن بعد فترة ازيح عنها.  وعاد احد الاحفاد الملك موشيزيب- مردوخ بالاستيلاء على مدينة بابل والجلوس على عرشها خلال السنوات(692- 689ق.م.).وفي عهد الملك اسرحدون تمت مهاجمة مملكة بيت داكوري وتدمير عاصمتها واعدام ملكها (شمش- ابني) انتقاما لهجماتها على بابل. لكنها عادت الى نشاطها في اواخر القرن الثامن قبل الميلاد. (5)

3- بيت-شيلاني

قبيلة  آرامية حلت في جنوب بلاد بابل ، لعلها صارت دويلة-مدينة ، كانت ضمن التحالف الارامي-الكلدي-البابلي ضد الاشوريين. هاجمها الملك تكلات بليسر الثالث (745-727 ق.م.) ومعها معظم المدن الارامية-الكلدية وذلك في حملته عام 731 ق.م. وقبل ان يصل اليها كان قد هزم مقاتلي رئيس القبيلة نابو-اوشابشي وهو اسم بابلي ، خارج مدينته  ربما عاصمته سارابانو. والقى القبض على رئيس القبيلة الذي قتل امام باب المدينة، ثم حوصرت الدويلة وفتحت ونهبت ، وادعى انه اخذ منها اسرى اكثر من 50000 ، ثم دمر بقية بلداتها وقراها.

 4- لتاعو Lita,u 

قبيلة ارامية استوطنت في الالف الاول ق.م. في جنوب بابل. ذكرت في رقيم من مكتبة نيبور يعود الى عام 786ق.م. يشير الى شيخها (كابيتو) والى وجود 35 قبيلة اخرى  في جنوب العراق، كان الملك تكلات بليصر الثالث قد انتصر عليها. كانت هذه القبيلة حليفة الى القبيلة الكلدية بيت- ياكين. كما ذكرت في زمن الملك سرجون بانها من اشد اعدائه من الاراميين. وفي عهد الملك الفارسي دارا ظهرت قرب بابل باسم (لتامو).

5- كمبولو Gambulu

قبيلة ارامية بارزة ظهرت في الالف الاول ق.م.في جنوب بلاد الرافدين وعلى مقربة من بلاد عيلام. وتقع ارضها في شرق دجلة. ذكرت في النصوص الاشورية للملك سرجون الثاني بعد حملته التي توجه فيها الى اراضي تلك القبيلة عام 710 ق.م. ونهبها واخذ منها حوالي (18400) اسير. ووردت اشارة عنها في زمن الملك سنحاريب ،حينما هاجمها وادعى انه انتصر عليها، ولكنه في الواقع انها ظلت مستقلة. وورد ذكرها كذلك في زمن كلا من اسرحدون واشور بانيبال. كان اسرحدون قد احتل اراضيها ثم جعل مملكة كمبولو ولاية اشورية تضم  خمسة  مدن وهي  وتربوكاني وتيماسونو وباشور وهريتو وهلمو،فيما عدا مدينة دور- آبي- هارا والتي اطلق عليها الاشوريون دور- نابو، ربما لقربها من الحدود العيلامية. لكن بعد ذلك صارت ادارة المملكة تقوم بين الحاكم الاشوري وشيخ القبيلة (بيل- اقشا). كانت عاصمة المملكة مدينة شار- بي- بيل واحيانا تدعى شابيا. وكان الاشوريون يشيرون اليها باسم(سابيا). واخيرا هاجمها اشوربانيبال وقتل ملكها (تي- اومان) في مدينة (اوليا).وفي اواخر عهد اشور بانيبال استعادت استقلالها ولم تعد تدفع الجزية. وفي العهد البابلي كان هنالك حاكما بابلياعليها.

6- بيت- ياكين او ياقينBit- Yakin

اكبر واقوى القبائل الكلدية  التي استوطنت  جنوب بلاد بابل  ، ونزلت بيت ياكين قرب  ارض البحرالتي كانت ما تزال مملكة بابلية قائمة على البحر الاسفل (الخليج الكلدي) وان معظم سكانها من البابليين. وقد بدات مملكة بيت- ياكين ببناء  مدينة لها سميت  (هورادو). وفي ذلك الزمن هاجم الملك شلمانصر المملكة واضطرت ان تدفع له الجزية. وقد توسعت مملكة بيت- ياكين واحتلت الاراضي التي تقع حول المستنقعات او الاهوار الغنية بالاسماك والطيور، ثم توسعت شمالا حتى وصلت الى مدينة اور. وكان احد ابناءها الشجعان قد قاد قوة الى بابل واستولى على عرش بابل وهو(اريبا- مردوخ) وذلك في الاعوام(769- 761).وفي عاصمة مملكة بيت ياكين وهي (دور- ياكين) برز القائد الكلدي (مردوخ- ابلا- ادينا) الذي اصبح ملكا على بابل مرتين بين الاعوام(721- 710).لكن الاشوريين كانوا منزعجين من استقلال مملكة ارض البحر ومملكة بيت ياكين وتولي ابناءها العرش في بابل.ولهذا فقد هاجم الاشوريون مملكة بيت ياكين واستولوا عليها، ثم توجهوا نحو مملكة ارض البحر وقضوا عليها.وحينما هرب ملك ارض البحر (نابو- بيل- شوماتي)الى مملكة عيلام الفارسية المجاورة ، لاحقه الجيش الاشوري الى عيلام . وخشية ان يسلمه الفرس الى اعداءه ،فقد فضل الانتحار. وذكر ان العيلاميين ارسلوا جثة هذا الملك الشجاع الى الاشوريين، بعد ان ملئوا تابوته بالملح ،لكي يتاكد الاشوريون من وفاته، وهو اول ملك نعرف عنه انه مات منتحرا. ولكن لم يمض نصف قرن على التضحيات التي قدمها الاراميون والكلديون والبابليون حتى عاد العرش البابلي اليهم وعاش جنوب العراق القديم بسلام لمدة قرن من الزمن تقريبا.

7- مملكة ارض اونقي Unqi Land

مملكة ارامية او بالاحرى دويلة-مدينة في جنوب العراق في الالف الاول قبل الميلاد.استولى عليها تكلات- بليصر الثالث في عام 746 ق.م.،كانت عاصمتها مدينة امالتو Amaltu , وتتبعها مدينة دامانو. كانت الجيوش الاشورية في هجوماتها عليها تستولى عليها وتخربها .(6)

8- بوقودو او فوقودو Poqudu

قبيلة كلدية ، وصلت اقصى شمال بلاد آرام وحطت فترة هناك ،ثم هاجرت الى جنوب العراق ، وكانت تنشط بين مدينة  اوروك في الغرب حتى عيلام في الشرق، وكان لها تحالفات مع قبيلة بيت- اموكاني اكبر القبائل الكلدية .

وهناك قبائل اخرى ارامية او كلدية استقرت في العراق من بينها: هاكارانو واملاتو وابولو وابودو وحامارانو ولحوتو وحاتال ونصيرو وغيرها، لكن المعلومات عنها شحيحة.

والارجح ان القبائل الكلدية كانت قد  تزعمت الثورة ضد الاشوريين  وضمت اليها القبائل الارامية وكذلك بقايا البابليين الذين كانوا  في مملكة القطر البحري في القتا ل الضاري ضد الاشوريين منذ وفاة آشوربانيبال وحتى سقوط نينوى بايديهم عام 612 ق.م. وقد انتظر الكلديون  جيلا اخرا حتى سقطت نينوى.ثم اعتلوا عرش بابل ،واعادوا بناء الحضارة البابلية من جديد، مع وجود لغتين هي الاكدية-البابلية وكذلك اللغة الارامية التي انتشرت في العراق القديم بعد ان اتخذتها الامبراطوريات الاجنبية المتعاقبة على بابل ،لغة للتخاطب مع اقوام الهلال الخصيب. 


المصادر

(1) رو ،جورج . العراق القديم، ترجمة حسين علوان.بغداد :دار الشؤون الثقافية، 1986 ص375

 (2) الموسوعة البريطانية .2005 باللغة الانكليزية. Aramaens

(3) Mark,Van De Mieroop.A History of the Ancient Near East.Blackwell . 2007.p204- 206

(4) Libinski , Edwarrd . The Aramaeans:Their Ancient History, Culture and Religion. Leuvan. 2000. P.409-423

(5) ساكز، هاري.عظمة اشور، ترجمةالاستاذ عامر سليمان.بغداد:المجمع العلمي العراقي،1989 ص145

(6) Bryce,Trevor.The Peoples and Places of Ancient Western Asia.London:Routledge.2009.Pages;111,125- 128,492.





Abstract


The Role of the Arameans and Chaldeans in Babylonia between the 11th and the7th Centuries B.C.

By: Prof. Fouad Y. Kazanghi


The reasearch aims at studying the origin of the Arameans , their language an

 their migration from Syria to Babylonia ,along with Sutes or Chaldian tribes during the 12th and the 10th centuries B.C.

The research then, shows how the Arameans and Chaldeans are settled in southern part of Babylonia near the main cities such as Uruk ,Sippar , Nippur ,and Der or round the marshes   near the Chaldine Gulf which is in southern of Mesopotamia.

The Arameans were divided into small kingdoms or shaikhdoms across the southern parts of  Babylonia,then mixed with the people of the Babylonian-Chaldine People .

The research discusses the significance of the Aramean and the Chaldian activities and confrontations with the Assyrian Army as the Arameans and the Chaldians are assisting the Babylonian kings and those leaders or chiefs who revolt against the Assyrian Empire and struggling for gaining the Babylonian throne.

The Arameans and the Chaldians along with the Babylonians could at last fight for their independence as the Assyrian Empire is getting weak at the end of the 7th century B.C.

The research is devided into three sections:

1- The Arameans : their Origin , Language and Role in Babylonia between the11- 10th and the 7th centuries B.C

2-The Chaldians: their Origin,  Migration and their Role in Babylonia between the   11th and the 7th centuries B.C.

3-The Arameans and the Chaldeans: Their Main settlements and Cities in Babylonia.