..............ابحاث ودراسات.....................

مثقفو جيلي الخمسينيات والستينيات

زهير الجزائري

اذا تحدثت عن جيل الخمسينات كانت هناك مجموعة مهذبة من هذا الجيل هي المجموعة البغدادية من الذين جاؤوا وانحدروا من الطبقة الوسطى مثل جواد سليم وفؤاد التكرلي وقاص آخر هو عبد الملك نوري ويوسف الحيدري هؤلاء في الغالب من سكنة بغداد او من ذوي الأقامة الطويلة في بغداد ونستطيع ان نقول انهم من الطبقة الأرستقراطية البغدادية ، ومنهم من درس في الخارج امثال جواد سليم ومحمود صبري، حيث عادوا بخبرة ثقافية اضافت الكثير لحركة التجديد ، وهم في الغالب كانوا من مواليد 1926 وقد ظهرت اسهاماتهم مابين عامي 1943 – 1945 نهاية الحرب العالمية الثانية . 

بالنسبة لجيل الستينات كانت المجموعات المهذبة فيه هي المجموعات الوافدة من المحافظات ويمكن تقسيمها الى ثلاث مجموعات هي مجموعة الناصرية المكونة من عبد الرحمن الربيعي وفائق حسن وفاضل عباس هادي ومحسن مطشر وعزيز السيد جاسم، اما مجموعة النجف فكانت مكونة من موسى كريدي وانا 

وموفق خضر الذي قضى فترة طويلة من التدريس في النجف وحميد المطبعي .

اما المجموعة الثالثة فهي مجموعة كركوك التي سنتحدث عنها مفصلا ، علما انه في بغداد مجموعة مكونة من عمران القيسي وجليل عطية وسامي مهدي الذي بقي وقتاً طويلاً في بغداد وعمل فيها . 

بالنسبة لمجموعة كركوك هي المجموعة المميزة والمؤثرة في الحياة الثقافية والأدبية والسبب في ذلك يعود لتشكلها القومي حيث كانت تضم التركمان والأكراد والسريان وفي نفس الوقت علاقة المجموعة باللغة الأنكليزية اكثر من بقية المجموعات، وهذه المجموعة كانت مكونة من سركون بولص وجان دمو والأب يوسف سعيد ومؤيد الراوي وانور الغساني وفاضل العزاوي ، حيث ان اغلبهم متنوعي الأثنيات ومن اصول في الغالب يسارية لأن اكثرهم كانوا ممنوعين من الكتابة في الستينات وخارجيين من السجون حديثا ، حيث ان مؤيد الراوي وفاضل العزاوي وانور الغساني كانوا في سجن واحد ، بالأضافة لكونهم من اثنيات مختلفة ولهم علاقة لا بأس بها باللغة الأنكليزية خاصة سركون بولص وجان دمو وانور الغساني، وكانت تربطني علاقة أكثر بسركون بولص وجان دمو، اما بالنسبة الى فاضل العزاوي فقد استمرت علاقتي به لأنه عندما جاء الى بغداد كان تقريبا معزولا عن مجموعة كركوك وعزلته كانت مجدية لأنه كان اكثر انتاجا من البقية سواء في الشعر او الرواية ، مع انه اكثر نتاجاتهم الجدية كانت في سنوات السبعينات أكثر من الستينات التي تعتبر فترة شحيحة الأنتاج بحيث اننا لو احصينا عدد الكتب في فترة الستينات لبلغ 26 كتابا وهو نفس العدد من الكتب الذي انتج في سنة 1933 حيث ان النتاج الثقافي في الستينات كان ينشر عبر الصحف العراقية لصعوبة طبع الكتب وصعوبة الرقابة في تلك الفترة ، وفي نفس الوقت عدم قدرة الكتاب على تمويل طباعة كتبهم وهذه الحالة بقت مؤثرة في الكاتب العراقي لحد مجيء البعث للسلطة حيث اصبحت الدولة هي منتجة للثقافة ومنتجة للكتب بغض النظر عن نوعية الكتب ..

في تلك الفترة ايضا كان اغلب الكتاب يعملون في الصحافة بحيث كان هناك نوع من التأثير على الصحافة الثقافية لكون نسبة غير قليلة منهم يصدرون هذه الصحف الثقافية من بينهم خالد الحلي الذي كان مسؤلا عن صحيفة المنار الثقافية، وسامي مهدي ايضا كان يصدر احدى الصحف الثقافية ومعه جليل عطية ..

على العموم كان الجيلين اي الخمسينات والستينات خارجيين من تجربة فاشلة وهي تجربة الشيوعيين نهاية الخمسينات التي استمرت الى عام 1963 وتبعتها تجربة البعثيين ثم تجربة القوميين الدموية بعد عام 1963 . 

فالجيلين تعرضا لأنتكاسة سياسية ، لذلك بالنسبة للجيل الذي سبقهم كانت هناك قطيعة ثقافية لكون المشروع الذي يجمعهم مع جيل الخمسينات انقطع، كذلك بالنسبة لجيل الخمسينات مع الستينات ، فالجميع خارجين من تجربة منتكسة وفي نفس الوقت اصبحت اللقاءات تجري في المقاهي وبالأخص مقهى البلدية في تلك الفترة حيث كانت تلتقي فيه اربع مجموعات هي مجموعة الطلبة ومجموعة قراء المقام ومجموعة العسكريين المتقاعدين بالأضافة الى مجموعة ادباء الستينات، حيث كان لقائي الأول بسركون بولص في هذا المقهى وكذلك جان دمو، وبعد ذلك في احدى حفلات الفرقة السمفونية العراقية في بغداد، وهو كان في حينها (اي جان دمو) جندي في احدى الوحدات في مدينة الناصرية وكان احد الضباط يتعامل معه تعامل فض وعلى اثر ذلك سجن مرتين فتدخل الشعراء الشعبيين الذين كانت لديهم علاقات واسعة مع الضباط العراقيين هناك وتم استخدام جان دمو ليكون لاعب كرة احتياط مع احد فرق الجيش الرياضية في ذلك المعسكر ومن ثم استخدامه لمليء اجران المياه في ذلك المعسكر لكي يتم ابعاده قدر الأمكان عن الواجبات العسكرية .

اما بالنسبة للمجموعات كان هناك فرق بينها حيث ان مجموعة كركوك كانت منتجة الى حد بعيد ومواظبة على العمل مثل فاضل العزاوي الذي لم يكن ينقطع عن النتاج الثقافي لأن العزاوي مُجدّ في هذا المجال ويتعامل مع الكتابة كنوع من المهنة التي يزاولها باستمرار وبدون انقطاع وقد كان مشهورا بقصائده في تلك الفترة اكثر من الروايات لكون الروايات ظهرت فيما بعد اواخر الستينات والسبعينات في الوقت الذي ظهرت قصائده الطويلة .

بالمقابل كان سركون بولص في تلك الفترة يكتب قصائد طويلة بالأضافة للقصة حيث كنت من المهتمين بقصصه وكنت اتوقع ان يضيف شيئاً للقصة العراقية بأعتباره يشكل نوعا من الجسر مابين القصة الخمسينية والستينية . 

بالنسبة للقصة الخمسينية كانت في الغالب محددة بالمكان ومحددة بالشخصية والأسم واسماء الأمكنة في حين ان قصة الستينات كانت في الغالب تطلق في مكان مجهول واوضح مثال لذلك هو القاصين يوسف الحيدري وجليل القيسي وهما من كركوك فكلاهما يتناولان مكان القصة الغير محدد، في حين ان اغلب قصص سركون بولص كانت تحدث في مكان محدد وهو شارع الرشيد مثل قصة الكتلة والعلبة تحدث لشخص في شارع الرشيد وقصة اخرى تحدث لشخص متسكع في شارع الرشد ايضاً، حيث ان اغلب قصصه كانت في شارع الرشيد ماعدا قصة واحدة تحدث في كركوك وهي حادثة وفاة والده وجنازته ..

بالنسبة لسركون بولص كان متاثراً لحد ما بجيل الخمسينات ولكن تاثره الأكثر بكتاب القصة الأجانب وخاصة (        ؟      ) كان المؤثر الأساسي على كتاب القصة بسبب الأجواء الغريبة التي تتناولها قصصه. اما في قصائده فكان لديه وضوح اكثر حيث انها اي قصائده تحتوي على قصة متكاملة ووحدة الموضوع 

اضافة الى العلاقة الواضحة بين القصة والقصيدة ، على عكس الأب يوسف سعيد الذي كان متاثرا بالتقليد الصوفي والكتابات في الكتب المقدسة المسيحية ولكن لايوجد في قصائده وحدة الموضوع الشعرية حيث كان غالبا يستخدم الغموض .

نستطيع ان نقول بأن معرفة سركون بولص وجان كرمو وانور الغساني باللغة الأنكليزية أضافت الشيء المهم جدا لجيل الستينات وجعلتنا نتعرف الى كتاب اجانب لم نكن نعرفهم سابقا مثل (      ؟       ) الذي كانت نتاجاته مترجمة في تلك الفترة ولكن لم نكن نعرفها جميعها حيث تمت ترجمتها في تلك الفترة. 

وكذلك قصائد تي. اس.م ايلوت  حيث ترجمت قصائدهما في تلك الفترة وكانت مؤثرة في حينها ..

عموما كانت نسبة كبيرة من المثقفين قادمة من المحافظات الى بغداد ولم تكن لهم علاقة باللغات الأجنبية ماعدا المتحدث (زهير الجزائري) حيث كنت ادرس في كلية اللغات اذ ان مجيئي الى بغداد كان لغرض الدراسة ..

عموما كان هناك رابط قوي مابين المجموعات ولم يكن هناك احساس بالفروقات  القومية الثقافية والأجتماعية اذ كان يجمعنا حب الأدب بذاته، ولم نكن قادرين على شراء الكتب لذلك كنا نعتمد على جان دمو في الحصول على اي كتاب عن طريق علاقته الشخصية بقسم الكتب والأسطوانات في أوروزدي بك (الأسواق المركزية) اضافة الى وجود المركز الثقافي البريطاني كأحد اهم مصادر الثقافة الأجنبية حيث كانت مجلة (     ؟       ) تصل المركز يوم الخميس من كل اسبوع وتحتوي على الشعر والثقافة الأنكليزية وكنا نتبادل النسخة الواحدة لصعوبة شراء الكتب وغلاء ثمنها لكون اكثرنا لم يكن لديه عمل ماعدا سامي مهدي وجليل عطية وقلة غيرهم ، لذلك كنا جميعا نتشارك بتبادل الأخبار الثقافية والقصائد في نفس اليوم الذي تنشر به مع الفات نظر احدنا للآخر حول النتاجات الثقافية المهمة .

في تلك الفترة كانت قصائد الحلاج مهمة جدا حيث قمنا بأستنساخها بعد ان حصلنا عليها من المكتبة الوطنية في بغداد وأصبحت مرجعاً لنا في الشعر فترة الستينات . يمكن القول بأن المجموعة السريانية في كركوك كانت عاملاً مؤثراً جدا في جيل الخمسينات برغم قلة نتاجاتها وانحسار عملها حيث يمكن ان نجمع كل قصائدها في كتيب من مئة صفحة لا اكثر وهي قصائد قصيرة جدا في الغالب. ولكن بالنسبة الى جان دمو كانت شخصيته الثقافية مؤثرة جدا حيث يمثل نموذج المثقف غير المنتج بحيث كان لنقده المحنك والقاسي احيانا التأثير الأيجابي في كثير من المثقفين ومنهم المتحدث (زهير الجزائري) بعكس فاضل العزاوي الذي لم يكن يركز على اهمية الأنتاج بقدر تركيزه على استمرارية العمل ، لذلك فان جان دمو يمكن اعطاؤه وصف الشخصية النزيهة، كذلك فأنه في فترة حصار الشيوعيين في السبعينات كان مواظبا على الدوام في جريدة طريق الشعب وبقي وحده مستمرا فيها لذلك اطلق عليه عبد الرزاق الصافي في حينها مدير الحزب ..