..............ابحاث ودراسات.....................

الخصائص المشتركة في قصص سركون بولص

ناجح المعموري

وفرت لنا قصص سركون بولص الثلاث إمكانية التوصل إلى الخصائص المشتركة بينها، كما تؤشر العناصر السويسو ثقافية التي كانت خلال مرحلة الستينات واتضح لي أثناء قراءة هذه القصص بأنها مكتوبة تحت تأثيرات ثقافية واحدة، تأثيرات ضاغطة جداً على القاص الذي كان متضادا مع الحياة السائدة آنذاك، ومشغولاً بكل ما له صلة بالحياة والتمردات عليها. كما وجدت بأن سركون مشغول بانطولوجيا الحياة وتنوعها وتمكن من توظيف الأسطورة وشفراتها بشفافية عالية ومطموسة في مرحلة لم يعرف أبناء جيله إمكانات استثمار الأسطورة في السرد، مع ضرورة التنبه الى انس ركون بولص لم يتعامل مع الاسطورة بوصفها المباشر وانما استثمارها عبر تداخلها مع الثقافة الدينية وحصراً في المسيحية.

*شخصيتان مركزيتان في قصصه الثلاث [الملجأ، غمرتني اليقظة كالماء، المتأخر] والقصة الاخيرة هي الوحيدة التي كان للمراة دور بنائي فيها، مما يشير الى سيادة الخطاب الذكوري، لكن تميزت قصة العشاء المتاخر لهيمنة العقر وتعطيل الحياة. وما يدل على ذلك نفاذ وقود السيارة اولاً، وتعطل الزوج العجوز عن ممارسة الاتصال الادخالي وع زوجته، واصابته بوقت مبكر بالعقم، ولم يتمكن من تخصيبها لقد وجدت حريتها بوقت متاخر مع رجل اخر او عدد من الرجال، وكان الزوج مدركاً لما يجري حوله، لكنه غير قادر على اشباع حاجاتها او الاعلان عن رفضه. ومعروف بان يسوع رمز للتنوع الثقافي والديني والتسامح وتميزت المسيحية بتمركز الخصب والانبعاث، وهي – المسيحية – امتداد لانسان الانبعاث في سومر واكد وكنعان ومصر. ويمكننا التعامل مع هذا النسق بوصفه نسقاً دلالياً في قصصه الثلاث من خلال وجود حارس محطة الحياة. وقبول إدمون بالبقاء في الزورق وسط النهر، وتحت المطر. وتناول الزوج العجوز العشاء بوقت متاخر وهو يراقب تساقط المطر، رمز الخصب الذي ينحرف بانزياح واضح للاشارة لما هو مفقود لديه والمعطل له عن تخصيب زوجته. ويستمر القاص سركون بولص بتكريس اشارات دالة على الانبعاث والتجدد، حيث كان الربيع زمناً في قصة الملجأ والشتاء بامطاره الغزيرة لقصتين، وهذا كاشف للتناقض السوسيو – ثقافي في مكونات شخوصه المحيطة والمتمردة والمخذولة تماماً. ولا شئ يوضح وجود تكونات اسرية في قصصه، ويومئ هذا للموقف العدمية الخاصة بكل واحد منهم، واستعاض عن ذلك بسيادة الخصب في الحياة، وهذا كاف للتعبير عن مواقف انطولوجية واضحة.

*كانت المدينة مكاناً في قصصه، وهو مكان غائم وغير واضح، مكان هيولي. مارس تحقيراً له في قصته (غمرتني اليقظة كالماء) عندما إبتنى طائر الخطاف عشاً له في المراحيض – وظلت هذه الخاصية مستمرة في قصائده، حيث كانت المدينة طاردة، غير معروفة، وشخوصه ملاحقة بالشتات والمجهول وتكررت لديه دوال على ذلك مثل مدينة اين، مدينة زمانية وليس مكانية. ولم يكن الطرد من المدينة دائمياً، بل مؤقتاً.

*التمعت تلميحات على المقدس المخترق: المسيح الساقط، وطائر الخطاف المقدس في المروريات الشعبية الموروثة، كما ان (العشاء الاخير) يذكرنا بالعشاء الاخير للرب يسوع.

تميزت شخوصه بالقلق الوجودي /العبث/التمرد، لكنه تمرد غير منتج، وادى هذا الى انهيارات نفسية، مثل محاولة الشاب في قصة (الملجأ) للانتحار / الملجأ الذي انشغل ببنائه لمدة ثلاثة اسابيع. 

وارتضى إدمون في قصة (غمرتني اليقظة كالماء) في الزورق الذي يشبه التابوت وتحت المطر تعايش الزوج العجوز مع الاخصاء القضيبي طويلاً.

تملص الشاب في قصة (الملجأ) عن فكرة الانتحار وكان بديله الفادي، حارس محطة المياه واتضح للقراءة بأن إدمون على حافة الانهيار التام، معبراً عن ذلك بالبكاء تحت المطر ليومئ عن ازمة الانطولوجية. اما الزوج العجوز، فهو الاخر ميت، لان ديانات الشرق الادنى القديم، تعاملت مع الشخص العاجز عن تفعيل الحياة من خلال الخصب، باعتباره ميتاً.

الشخوص ملاحقة بالالم واتضح هذا في قصته الملجأ: حيث قال الراوي: الحياة ثلاثة اشياء: ولادة / الم / موت / كنت اريد ان اطفر فوق الشيء الثاني الذي يقف بين الولادة والموت. وهذا نص كاف للتدليل على التنوع الانطولوجي المعبر عن وجود ازمات كما قال بورديو. وكان إدمون مطارد بالوجع والالم والعوز، كذلك خسر الزوج العجوز ممارسة المتعة وتعطله التام من قبل.

*استثمر سركون بولص الاساطير المذوبة في الثقافة والدين باعتبارها خلاصة لاساطير الشرق الخاصة بالخصوبة والتجدد المستمر والعود الابدي لكل ماله ارتباط بالحياة. واعتقد بان سركون بولص تمكن من تذويب العقائد والاساطير في قصصه بوقت لم تعرف فيه القصة اهمية الاسطورة في السرد باستثناء القاص فهد الاسدي في مجموعته الاولى (عدن مضاع) وتبدت الاسطورة في:

1- الماء / المطر، رمز انطولوجي مبكر، وهو من عناصر نظرية الخيال في فلسفة باشلار وهو من الانماط الرمزية العليا كما قال يونغ، وهو من المسميات الاولى كما قال د. مالك المطلبي. واطلق السومريون عليه: ماء القلب وترجم قاسم الشواف الشعر السومري الخاص بطقوس الجنس المقدس ب [إعطيني. إعطيني ماء القلب] وهو الذي فقده الزوج العجوز. وكان الاله آنو يقذف بالمني / ماء القلب الى الارض / الام الكبرى الرمزية ويحقق لها التخصيب. وكان المز معبراً عنه بحارس محطة المياه، والوقود هو البديل الدلالي له بوصفه الطاقة المحركة وغير الموجودة في السيارة ولدى الزوج العجوز.

2- وجود شفرات تلميحية عن وجود مسيح ساقط، لانه ارضي ودائماً ما يكون الارضي حاملاً للدنس في بعض من الاساطير الاوزيرية والبوذية والمسيحية.

3- وجود إدمون في قصة (غمرتني اليقظة كالماء ) في الزورق تمثيل للمسيح وحوارييه الذين يقضون ايامهم بالزورق وسط الانهار او البحر لاصطياد السمك لهم وللسيد المسيح، وجود بقايا السمكة وسط الملجأ اختصار لانطولوجيا الام الكبرى، الالوهية الوؤنثة في ثقافات وديانات الشرق. حيث السمكة علامة دالة عليها وهي:

كان ادابا يصطاد السمك عندما هبت الرياح الجنوبية التي كسر جناحها، لانها عطلته عن عمله اليومي بتوفير السمك، طعام الاله انكي / ايا وتفاصيل الاسطورة معروفة ولا ضرورة للتفصيل.

*احتو معبد الام الكبرى قبل سقوطها الثقافي / والديني على تماثيل للسمكة، تستقبل المتعبد، وهو يدخل المعبد لممارسة طقوسه وشعائره. وحاز الخطاب الذكوري على هذه العلامة وانحرف بدلالتها المؤنثة وصارت رمزاً دالاً على الذكورة / القضيب، ونشأت لحظة جديدة في الثقافة والدين، ونجح الخطاب البطريركي في الامساك ب [نشوة الكتابة] حسب مصطلح ميرلوبونتي وتحقق إخصاء أمومي كما قالت جوليا كريستيفا، مطوعة رأي ميرلوبونتي، ونقل عنهما سلف رمان في كتابه [نصيات].