..............ابحاث ودراسات.....................

التناوب السردي في رواية " في انتظار فرج الله القهار"

فاضل ثامر

 

قد تبدو رواية  "في انتظار فرج الله القهار" ( 2006 ) للروائي سعدي المالح للوهلة الأولى بوصفها رواية عن انهيار الحلم الإنساني بالعدالة، وتنويع موجع على ثيمة الانتظار العبثي اللا مجدي الذي عبرت عنه مسرحية "في انتظار غودو" لصمويل بيكيت، لكن القراءة المتأئية لمستويات السرد والترميز والتدليل تؤكد أن الرواية في الجوهر هي رواية عن الأمل الإنساني الذي لا يمكن أن ينكسر على الرغم من كل المآسي الإنسانية الفاجعة التي مر بها أبطال الرواية ممثلين عن شرائح المجتمع العراقي الاثنية والدينية والطائفية عبر التاريخ.

 فرج الله القهار ، الرمز الإنساني للأمل الذي يتجلى أحياناً لمختلف الشعوب بصور ومسميات مختلفة والذي قد يكون منقذاً وملهماً هنا هو ليس مجرد غودو الذي لا يعود انه بالأحرى استنهاض لقوى الإنسان للإصرار على حقه في الحياة ومواصلة النضال من اجل أن تتوهج جذوة التواصل الإنساني بحرارة وألفة وحميمية.

بالتأكيد يتحكم رمز "فرج الله القهار " بوصفه عتبة نصية يدونها عنوان الرواية ذاته بالمسار الخطي لحركة الأحداث الروائية منذ البداية وحتى النهاية. فهو يرافق حياة الأم منذ أن كانت طفلة ضائعة في البرية عندما أطل وجهه مسبوقاً بشمعته المتوهجة لينقذها من موت محتم ويرافقها في مسيرتها الأخيرة لأداء طقوس القداس الأخير في كنيسة القرية مثلما يرافق الأب في محنته، كما يظل يلاحق الابن الذي يحمل رسالة من الأم له، كما يتجلى هذا الرمز عبر صور مموهة واقعية او تخيلية و ميثيولوجية أو خرافية، عبر مرويات مختلف الاثنيات العرقية مثلما يتبدى للجنوبي عبد الحسين ولغيره من شخصيات ا لرواية.

وإذا ما أحس الابن المثقف وهو يحمل وصية الأم إلى فرج الله القهار بعبثية هذا البحث ولا معقوليته أحيانا لأنه قد يمثل استسلاماً للحمولات الميثولوجية والميتافيزيقية لهذا الرمز  يبدأ بالعزوف داخلياً عن ملاحقة هذا الوهم السرابي الهارب، لكنه يوحي لنا أن هذا الإخفاق هو اخفاق للمرويات السردية الميتافيزيقية والصوفية الرامزة لهذا الأمل، أما الأمل الإنساني فهو يتواصل على مستوى دنيوي وحسي من خلال الإصرار على ممارسة فعل الحياة ـــ بمختلف مستوياتها الدنيوية والايروتيكية والجمالية ليؤشر ديمومة الحلم الإنساني الذي يظل هناك دائما في آخر النفق. ولكي تتجاوز الرواية السقوط في موقف تشاؤمي نهلستي يكرس لموضوعة الإحباط واليأس وإخفاق الأمل تتحرك رؤيويا وسرديا نحو فضاءات بعيدة عن روح التفجع والإسقاطات السيكولوجية والعاطفية المفرطة التي قد تصل درجة السنتمنتالية وتحديدا من خلال الانعطاف من فضاء السرد الواقعي الحديث بعشقه لوصف أدق التفاصيل عن الحياة اليومية الذي يذكرنا بتقاليد الواقعية الحديثة في الأدب الروسي وبأسلوب الروائي غائب طعمة فرحان تحديدا نحو فضاء السرد ألغرائبي والفنطازي في الأقسام الأخيرة من الرواية. فلتجاوز حجم المأساة الإنسانية التي عاشتها اغلب مكونات الشعب العراقي من عرب وكورد وسريان وتركمان تبتعد الرواية عن السرد الواقعي وتسبح في فضاء تخيلي تتحاور فيه أرواح القتلى والضحايا بطريقة تذكرنا بابي العلاء المعري في "رسالة الغفران" وبدانتي في " الكوميديا الإلهية " حيث تروح هذه الأرواح الضائعة في البرية تروي لنا وللتاريخ فصولا من الألم الإنساني بطريقة لا تخلو من حس ساخر وتهكمي يذكرنا بسرد الروائي الفلسطيني أميل حبيبي في " المتشائل " .

تطل الرواية على التراجيديا العراقية من لحظة تسام وتدرجها ضمن فعل إنساني رافض للانكسار والانسحاق. فطريقة السرد المحايد والبارد تمنح الأحداث الروائية المأساوية نقاءً يبعدها عن السقوط في هاوية التشاؤم والتظلم والتباكي، وتصبح مرويات ناطقة موجهة نحو منطقة العقل والوعي وليس إلى منطقة العاطفة واستدرار الدموع.

تنطوي رواية " في انتظار فرج الله القهار" على مستويات سردية متنوعة وتحفل ببنية سردية بوليفونية (تعددية) من خلال تخلي الروائي، أو راويه الضمني عن سلطته الأوتوقراطية وإحالة السرد إلى الشخصيات ذاتها من خلال سرد داخلي مبؤر تفصح فيه الشخصيات عبر منولوجات أو حوارات ثنائية عن أعماقها الداخلية ومكنوناتها في لحظات زمكانية (كرنوتوبية) بتعبير ميخائيل باختين نادرة من تاريخ العراق يلتحم فيها الزماني بالمكاني ليكشف عن بذرة الحياة ولكي يموضع في الوقت ذاته هذه التجرية الإنسانية الحارة وأبطالها داخل هويات سردية رئيسية وفرعية من خلال اختراق السرد لسيولة الزمن الجارفة لخلق "هويات سردية" بتعبير المفكر الفرنسي ( بول ريكور).

تتشكل الرواية من اثني عشر فصلا تعتمد على طريقة السرد الذاتي المبؤر في الغالب فالأحداث تروي من قبل رواة أساسيين أو ثانويين يتحركون بيسر وسهولة داخل المشهد الروائي زمانياً ومكانياً ، حيث التعدد في مستويات المكان: العراق وروسيا وكندا وأمريكا كما نجد تنوعا في المكان الداخلي: البيت العراقي والكنيسة والمشرب أو المرقص، حيث سيشغل هذا المكان الأخير مساحة كبيرة من النص الروائي، كما إن الزمن بدوره ينتقل من الحاضر إلى الماضي من خلال استذكارات أو فلاش باكات وأحيانا من خلال مرويات الشخصيات الروائية بل يذهب الزمان أحيانا إلى وقائع تاريخية عميقة الغور في التاريخ العراقي القديم (الرافديني أساسا) ،لكن هذا التنوع الزماني والمكاني لا ينفلت أو يتراكم عشوائيا وإنما ينظم بطريقة سردية واعية من خلال مجموعة من التقنيات السردية التي تعتمد على بناء المشهد الروائي مع توظيف استثنائي لطاقة المنولوج الداخلي والحوار بين الشخصيات الروائية المختلفة وعلى الرغم من تنوع الشخصيات الروائية، لكن الخيط الرابط لها يظل متمثلا في بطل الرواية المركزي ( أفرام ) أو ( أبراهام ) وهو مواطن عراقي مسيحي سرياني يعيش في قرية سريانية في كردستان العراق الشمالية .

والرواية تكاد أن تكون بالأساس عن البطل المركزي شخصياً، مع انه يحمل في الجوهر وصية أمه التي توفت بعد حضور قداس الكنيسة التي تضمنها رسالتها والموجهة إلى فرج الله القهار، ويجوب الامكنه بحثا عن هذا المنقذ  الميثولوجي ( فرج الله القهار) الذي سبق له وأن أنقذ الأم في طفولتها، كما أنقذ الأب من موت محقق، لكنه في حقيقة الأمر لم يكن مكترثا لإيصال الرسالة لأنه كان يشعر بان فرج الله القهار مجرد وهم شعبي وسراب لا وجود له ولذا فقد رأيناه يواصل حياته المغموسة بطقوس  يومية حسية يهيمن فيها الحب والجنس والملذات اليومية وتحيط بها هالة جمالية تصنعها الموسيقى التي تشغل كل الأمكنة، حتى لتتحول إلى ناظم إيقاع للإحداث الروائية، فهي تخفت أو تعلو، تغيب أو تحضر، بالتزامن مع المزاج السيكلوجي للبطل ولحركة الصراع في الرواية. يمكن القول أيضا إن الموسيقى تمثل في هذه الرواية نصا غائبا موازيًا للأحداث الروائية وربما يمكن عدها ملاذا روحيا للخلاص من وطأة الواقع ومن التراجديا التاريخية التي تلف مصير البطل والشخصيات الروائية العراقية التي شهدت مجموعة من المحن والماسي والاستلاب عبر تاريخها الطويل ماضيا وحاضرا .

في الصفحات الأخيرة من الرواية يتحسس البطل (أفرام) الرسالة التي تحمل وصية الأم إلى فرج الله القهار. ويسخر من هذا الانتظار اللامجدي عبر التاريخ الذي عاشته أجيال عديدة في انتظار المنقذ الأسطوري: ــ لماذا عشتم جميعكم في الانتظار؟ أنت ووالدي وهيوا وعبدالحسين وأيوب وكوريال والملايين غيركم منذ الآلاف السنين."

فما كان من الأم إلا أن تقول مرتعبة :

ـــ " لا تكفر يا بني كل شيء بيده " ص 146

وما له دلالة خاصة في مسار الأحداث الروائية أن تنتهي هذه النهاية المفتوحة في الفصل الثاني عشر الذي يتكون من أربع كلمات فقط هي: " ليس ثمة من نهاية... " ص 148.

فهذه النهاية المفتوحة تحيل إلى سلسلة من التأويلات والمرويات التي تنطوي عليها التراجيديا العراقية بوصفها سلسلة لا تنتهي من معاناة البشرية. قد تعني هذه النهاية انعدام الأمل وعبث الانتظار وبالتالي غياب أي ضوء في نهاية النفق، لكن الروائي من خلال " فنطزة " الواقع أو " أسطرته " وتغريبه يبتعد بالرواية عن أفقها التشاؤمي في نحو أمل أنساني من طراز آخر لا يعتمد الانتظار الميتافيزيقي لمنقذ ما من طراز فرج الله القهار، وإن كانت جذوة الحياة والأمل في أعماق البطل لا تبدو متوهجة وواعدة لخلاص بديل بل تبدو مستسلمة لآليات استهلاكية وحياتية وبنيوية تقليدية ربما تمثل الموسيقى المتصلة والكتاب الذي يقراه البطل في رحلاته هما بصيص الأمل المتبقي لضوء في أخر النفق.

كان رمز فرج الله القهار الذي يبدو للام رمزا للخلاص المسيحي " تراءى لها الشخص بهيئة السيد المسيح " ص 14 قد تحول إلى مجرد مخلوق عصري يمكن اللقاء به من قبل الابن على مضض بسبب وجود جفاء بينه وبين فرج الله القهار منذ مرحلة الشباب: " في الحقيقة لم التمس قط في يوم من الأيام للقاء فرج الله القهار. فلقد نشا بيني وبينه، منذ شبابي نوع من الجفاء. ولولا وصية أمي لما أقدمت على الاتصال به الأمر الذي اضطرني إلى مكالمته بالهاتف .. والحق يقال ضرب لي موعدا عند المساء ليلتقي بي في مقهى " ص 20

من هنا يمكن القول إن البطل قد انزل هذا المخلص " المسيحي أو المنقذ " الأسطوري من مرتبة ميتافزيقية وصوفية إلى مرتبة أرضية إنسانية تجعله عرضة للخطأ والعجز والتوهم وعدم الاستجابة إلى التماسات الآخرين ونداءاتهم، وهو ما دفع بالبطل إلى عدم التعويل على جدوى أو أهمية اللقاء بفرج الله القهار لأن اللقاء به أو عدمه سيان.

تنطوي الرواية من جهة أخرى، على مستويات سردية متنوعة وتحفل ببنية بوليفونية من خلال مرويات مبؤرة لعدد من الشخصيات الروائية التي قدمت تجاربها وعوالمها الداخلية بعيدا عن سلطة المؤلف أو قبضة البطل المركزي. يستهل السرد في الفصل الأول راو ضمني شبيه بالراوي كلي العلم لكنه سيتبطن اللاوعي الجماعي في الرواية: " أصرت العجوز المريضة على مرافقة ابنتيها إلى الكنيسة لحضور القداس الاحتفالي بعيد الفصح " ص 7 

لكن هذا الراوي يحيل السرد إلى الأم العجوز ذاتها من خلال سلسلة مونولوجات داخلية وسرد ذاتي مبؤر قريب من سرد " إنا الغائب الحاضر" حيث تمثل وجهة النظر هنا استبطانا لوعي العجوز ذاتها 

" في الأثناء هذه ، رأت العجوز ، بعد أن فسح لها الكاهن مجال رؤية المذبح ، الشمعة المشتعلة أمام تمثال المسيح الذي يتصدر المذبح تتحرك ، ومن ثم ترتفع في فضاء الكنيسة فوق رؤوس المصلين " ص11

لكن المؤلف ينقل وجهة النظر السردية إلى الابن ( أفرام ) البطل المركزي للرواية والذي يحمل على كاهله مهمة إيصال وصية الأم إلى فرج الله القهار . ويوظف البطل المركزي ضمير المتكلم بطريقة اوتوبيوغرافية، لكنها أيضا استشرافية بمعنى أنها تشرف على المشهد كله: 

" قبيل الموعد بقليل وضعت الرسالة في جيبي وخرجت .للمرة الأولى في حياتي ادخل هذا الفندق الفخم المشيد على الطراز المعماري الحديث والمطور " ص 20 

ومن هذه اللحظة تبدأ علاقة حميمة بين الراوي البطل المركزي والعالم الخارجي ينهمك فيها البطل بالتهام تفاصيل هذا العالم الأرضية والجمالية : فهذا الموعد يقوده إلى مقهى تعزف فيه عازفة شابة موسيقى مؤثرة سيكون لها صدى كبير في مسار الحدث الروائي وسلوك البطل. 

ومع أن البطل يتظاهر بتجاهل العازفة وعزفها لكنه في الواقع كان جزءا في ذلك العزف ولذا ينقل المؤلف زاوية السرد في الفصل الثالث إلى العازفة ذاتها في تنويع بوليفوني مهم من التناوب السردي في الرواية : " كالمعتاد جئت لأعزف أو بالأحرى لأؤدي عملي في هذا المقهى الهادئ " ( ص 28 )

حيث تبدو العازفة مستاءة من تجاهل هذا الزائر الجديد لها ولعزفها ، لكنها في النهاية تشعر بارتياح عندما رفع رأسه وألقى نظره تجاهها " فلما راني أحدق فيه ارتبك وعاد إلى الكتابة " ص 34 

ولكي ينشط المؤلف اللعبة التواصلية بين القط والفأر: بين البطل والعازفة يسلم السرد مرة أخرى بصورة تناوبيه إلى البطل نفسه خلال الفصل الرابع: 

" قطع علي تغيير الموسيقى في المقهى من تلك السمفونية الصادحة باصوات ألآت موسيقية مختلفة إلى نغمات رنانة مدندنة " ص 35 وتحفز موسيقى العازفة ذاكرة البطل نحو استحضار صور الماضي. فتارة تأخذه إلى دقات ناقوس الكنيسة الصغيرة في قريته وتارة أخرى تنقله إلى آتون الحرب التي شنها النظام الدكتاتوري على الجبهة الشرقية وتارة ثالثة إلى حرب الأنفال التي شنها النظام الفاشي ضد أبناء الشعب الكوردي حيث يلتقي روحا هائمة لشاب كردي اسمه هيوا قتله الجيش خلال حملة الأنفال الدموية : 

 " ـــ يا هيوا ماذا تفعل هنا ؟ 

قال بصوت متهدج : 

ـــ إني أهيم على وجهي في هذه البراري كما ترى. 

سألته مبهورا : 

لكن أين جسدك ؟ 

جسدي أكلته الصقور. " ص43 

وبهذه النقلة الغرائبية تبدأ مرحلة جديدة من السرد الروائي يروي فيها ضحايا الدكتاتورية جوانب من مآسيهم ومعاناتهم فيتحول هيوا إلى راو داخلي فيما يتحول البطل إلى مروي له: 

ـــ " كان ذلك في تلك الأيام التي سميت بالأنفال، هجم علينا الجيش بالدبابات والطائرات، فقتل من قتل وقاوم من قاوم " ص 43 

كما يحفز صوت الموسيقى ذاكرة البطل للقاء بسرد آخر لروح هائمة هي روح الجنوبي عبد الحسين الذي نهشت الكلاب جسده خلال الانتفاضة الشعبانية عام 1990 في البصرة " ــ يا عبدالحسين ما الحكاية ؟ أين جسدك ؟ " 

فقال ببرودة أعصاب متناهية :

ــ " نهشته الكلاب " 

عبدالحسين الجنوبي الذي قتله أزلام الدكتاتورية عام 1991 كان غالبا ما يستنجد بالمخلص آو المنقذ الذي كانت تلتقي بت أم البطل العجوز والذي يحمل اسم فرج الله القهار لكنه بالنسبة إلى عبد الحسين يحمل مسمى آخر: 

" رفعت نظري إلى السماء وتضرعت: متى يظهر الغايب متى ؟ " ص55

في جو تهيمن فيه روح الموسيقى وتانهال فيه الذكريات ، ينقل المؤلف السرد مرة أخرى وبطريقة تناوبية في الفصل الخامس إلى عازفة القيثارة في المقهى ( نينا ) من خلال منلوج طويل توظف فيه ضميرا المتكلم والمخاطب ( بالفتح ) نتعرف فيه تدريجيا إلى شخصيتها حيث تتذكر حبيبها الغائب ( نهران ) تطل من خلال صورة هذا الزائر الغريب. 

" أتدري أيها الرجل الغريب أن صمتك المهيب وهذا الشجن المؤرق ..... يذكرني كثيرا بــ ( نهران ) " ص 68 

ونكتشف خلال ذلك عشق العازفة الروسية لحبيبها العربي (نهران) الذي كان مشدودا إلى أغاني فيروز والى حكايات علي بابا والفانوس السحري وبساط الريح. لكنه فجأة، كما في حلمها المخيف تماما ، يختفي من حياتها دونما عذر وحتى اللقاء الثاني به لم يغير من الأمر شيئا. فتتحول موسيقى العازفة في الفصل السادس إلى ضابط للإيقاع والسرد معا حيث تحمل البطل على أجنحة الحلم إلى "سميل" تلك القرية الآشورية التي شهدت أبشع مجزرة ارتكبها الجيش العراقي ضد الآشوريين عام 1933.

" وشدت القوس على الوتر الرقيق، أصدر الكمان أنينا موجعا قاسيا للصيف وحرارته الفائضة، فوجدت نفسي في سميل " ص 78 

و يلتقي الراوي ــ عبر منظور سردي غرائبي ــ بالأرواح الهائمة التي قتلت قبل سبعين عاما أو أكثر من قبل قوات الحكومة آنذاك. 

" كانت مئات الأرواح الحائرة من هذه القرية تهيم في المنطقة منذ ما يقارب السبعين عاما. أنَت الأوتار من جديد وأخذني اللحن من يدي ليدلني عليها " ص 78 

وأمام رغبة الأرواح الهائمة في الكلام يلجأ الروائي إلى لعبته السردية المفضلة وأعني بها التناوب السردي إذ يحيل السرد إلى كوريال ، حيث يتحول الراوي الرئيسي إلى مروي له: 

" ـــ تحدث أنت يا كوريال ، أنت الذي خدعتنا وخدعت نفسك لقد كنت من مؤيدي الحكومة " ص 78 

ويبدا كوريال سرده التناوبي بضمير المتكلم: 

" اجل، لقد خدعتكم وخدعت نفسي." ص 78 

وتتواصل لعبة التناوب السردي من خلال تناوب عدد من الرواة أو الساردين الثانويين على عملية السرد ليرووا جوانب من قصصهم التراجيدية المحزنة منهم الدكتور أيوب وهو أيضا روح هائمة ، كما التقى بروح القاص العراقي أنور شاؤول وعدد غير قليل من الرواة الثانويين لينتهي السرد بعودة الراوي البطل ليختتم هذه الجولة الفنطازية: 

" ضحكت الأرواح المجتمعة حوله . أما أنا فلم اضحك... قلت في نفسي هكذا سيكون مصيري أيضا، أينما مت ستضطر روحي للعودة إلى وطني " ص 91 

في الفصل السابع تتربع مرة أخرى العازفة الروسية نينا على عرش السرد في خطوة جديدة من تناوب السرد عبر مونولوجات داخلية مطولة من خلال توظيف ضميري المتكلم والمخاطب أيضا حيث تخاطب الرجل الغريب : 

" بم تفكر أيها الرجل الغريب ؟ ولماذا هذا الشرود الغريب؟ " ص 92 

ولكي تستميله تقرر أن تقدم له معزوفة من سمفونية " شهرزاد " لريمسكي كورساكوف لأنها تدرك حب الشرقيين لهذه الأجواء. ومع أنغام شهرزاد تسترجع ذكرى لقائها الحميم بحبيبها نهران في عيد ميلادها التاسع عشر عندما تمنحه روحها وجسدها معا وهي تحلق مع أنغام بحيرة البجع لتشايكوفسكي في وصف حسي وايروتيكي مدهش وشاعري إلى حد كبير. 

يستعيد البطل في الفصل الثامن منبر السرد برفقة الموسيقى أيضا حيث يحلق مع عزف الكمان الصغير للعازفة إلى عزف قيثارة ضخمة ذكرته بأساطير الأقدمين ، وعندما أغمض عينه رأى الكتابة المسمارية وقد تحولت إلى رقيم طيني مفخور. رفعت راسي باتجاه القيثارة .... إنها القيثارة نفسها التي اكتشفت في المقبرة الملكية لمدينة أور بأوتارها التسعة " بل إنه يتخيل أن العازفة ترتدي ملابس ( اورنينا ) وتغني مقطعا من ملحمة كلكامش " ص 106 

وهكذا بين الحلم واليقظة ، بين الحقيقة والخيال تأخذ أنغام الموسيقى على أجنحها الأثيرية شخصية البطل إلى عوالم سحرية بعيدة عن الواقع تارة وقريبة منه حد الوجع ، حيث تتداخل شخصية الراوي ــ الزائر الغريب في نظر العازفة وبين شخصية نهران الذي يستذكر ( نينا ) وولده الذي رحلت به في سرد شاعري لا يخلو من غموض، حتى ليخيل للقارئ أن البطل (الزائر الغريب) هو فعلا نهران الذي تبحث عنه العازفة . 

تنتزع العازفة ( نينا ) ثانية السرد في الفصل التاسع وكأنها ترد على وجهة نظره التي قدمها في الفصل السابق في عملية كر وفر مثل الرابية التي يتناوب خصمان على احتلالها وتستحضر ( نينا ) لقاءها بنهران على شاطئ البحر في ذلك النهار الماطر وكيف أنها أنجبت بعد ذلك ابنها من نهران الذي أسمياه (مطر) تيمنا بذلك النهار الماطر. وخلال ذلك كانت تمني نفسها بان تتماهى شخصيا نهران والزائر الغريب عبثا وقد أرهقتها الحال التي آلت إليها أوضاع بلادها بعد التغيير واضطرار صديقاتها لممارسة الدعارة كسبا للعيش. 

بعد أن يسترد البطل أفرام السرد من العازفة في الفصل العاشر يقودنا الى سهرة في  بيت النادلة جاكي وكلبها المخيف ، حيث يمضي ليلة حمراء ولكن تحت رقابة وغيرة الكلب العاشق. ويواصل الراوي المركزي أفرام الهيمنة على منصة السرد في الفصل الحادي عشر الذي يعد في واقع الأمر الفصل الأخير لان الفصل الثاني عشر( الأخير) هو مجرد أربع كلمات ليس إلا . في هذا الفصل الذي يبدأ بمشهد حواري بين النادلة والبطل نلم بالجو العام في المقهى والذي يقودنا ثانية إلى ظهور شخصية العازفة ( نينا ) التي توهم البطل بان اسمها ( اورنينا ) التراثي العريق الذي يستعيد معه العزف والغناء المتخيل لمقاطع من " كلكامش " ." امنحوني بركتكم لأنني قررت أن ادخل بوابة أوروك ثانية " ص 134

وتاخذه الموسيقى والغناء في سياحة متخيلة إلى الماضي فيرى الملك يتربع في الجنائن المعلقة إلى جانب الملكة.لكن ما يرعبه ما رآه في الأسواق من مظاهر للنخاسة والعبودية والاسترقاق حيث يباع الناس وتباع أعضائهم بأثمان بخسة وهي في الواقع صورة إسقاط عن حاضر معين. فهناك من يبيع كليته وآخر يبيع قلبه والثالث يبيع أطفاله وهي إشارة صريحة لواقع العراق تحت ظل الدكتاتورية: 

" - ماذا تقصد ؟

ــ يعني منذ ذلك الزمن وأطفال العراق يواجهون المصير نفسه. " ص 138

وتتداخل في هذا الفصل الأزمنة والمشاهد بين حاضر وماض وبين حضور لجاكي وحضور للعازفة نينا التي كانت كأنها تشارك البطل رؤية هذا الجو الغرائبي، وتدعوه إلى عدم الخوف لان جميع هذه الوحوش مسحورة بالموسيقى : 

" ــ كيف لا أخاف وهذه الوحوش الكاسرة تحيط بي . 

هل نسيت ؟ هذه الحيوانات مسحورة بالموسيقى. " ص 140

وفي طقس فنطازي تخيلي تعزف ( اورنينا ) مقطوعة لشوبرت مع أن شوبيرت لم يكن قد ولد بعد : 

" ــ إنا أول من عزفت هذه الموسيقى لسيدتي عشتار " ص 142

ويرحل البطل مرة أخرى إلى نينوى القديمة مع حكاية الأم بعد القداس عن الملك السومري لوكال زاكيري وسرجون الاكدي والنبي يونان وصوم الباعوث وصوت ناقوس التوبة لكن الحلم الفنطازي عبر الزمان والمكان ينتهي حالما يتوقف ضابط السرد وأعني به الموسيقى :

" كانت الموسيقى توقفت والعازفة انتهت لتوها من بسط الغطاء البني فوق القيثارة الهامدة. " ص 146 

ويخامرنا الإحساس بأن نهاية الموسيقى تعني أفول الحياة والرغبات. فها هي العازفة تغادر المقهى دون أن تكترث إلى الوجود الحي للزائر الغريب الذي نسجت حوله الأحلام، ولم يتبق الا صرامة الواقع الجاف متمثلة في حضور النادلة بمشيتها الأفعوانية وهي تضع قائمة الحساب على الطاولة بعد أن خلت المقهى تماما " ص 147 وتشعرنا هذه النهاية بانطفاء كل شي وخموده وعودة إلى ممارسة الحياة اليومية البليدة بطقوسها المكررة، وهي نهاية مفتوحة على تأويلات عديدة يدعمها الفصل الأخير (الثاني عشر) والذي يتكون من أربع كلمات فقط هي : 

" ليس ثمة من نهاية ... " ص 148 . 

ومن تحليل تشكلات البنية السردية للرواية نجد أن "وجهة النظر " أي الزاوية التي تروى من خلالها الإحداث والمرئيات يتقاسمها صوتا البطل المركزي أفرام أو أبراهام الذي يروي ستة فصول، أي أكثر من نصف الرواية تقريبا والعازفة الروسية ( نينا ) التي تروي أربعة فصول، أي أكثر من ثلث الرواية .أما الفصل الأول فينطوي على سرد مختلط من وجهة نظر الراوي الضمني والسارد العليم ووجهات نظر مبؤرة للام العجوز. أما الفصل الأخير فيمكن عده سردا في درجة الصفر وهو سرد غير مبؤر وكأنه تقرير مختصر عن حاله وفاة ليس إلا .

في كل هذه الفصول ثمة تناوب سردي واضح وخاصة من البطل أفرام والعازفة نينا وكأن كل فصل يرد على الأخر أو يضارعه في الكشف عن الأعماق الدفينة لكل شخصية . 

وكان بإمكان المؤلف أن يعيد توزيع هذه الفصول طباعيا عن طريق تقسيم الصفحة إلى نصفين :يتضمن النصف الأعلى سرد البطل بينما يكرس النصف الأسفل لسرد العازفة الروسية ، لان السرد يكاد أن يكون متزامنا وليس متعاقبا ونخلص أيضا إلى أن رؤيا البطل الراوي المركزي تظل هي الرؤية السردية المهيمنة ولكن دونما تدخل من طرف المؤلف الذي يفسح المجال أمام حرية الأصوات  السردية للتعبير عن منظوراتها ورؤاها وذواتها مما يكسب الرواية ملامح بوليفونية ( متعددة الأصوات ) يدعمها نسيج لغوي ولهجي متعدد. فالرواية تنطوي على تعدد لغوي ولهجي نادر . إذ تتحدث معظم الشخصيات بلغتها أو لهجتها الوطنية والمحلية ، فهناك لغات ولهجات عربية وسريانية وكوردية وعبرية وروسية وانكليزية ، وهذا ما يكسب الرواية فضاءها البوليفوني الواسع الذي يلتحم بدوره مع عملية التناوب السردي والانتقال السلس من السرد الواقعي الى السرد الغرائبي أو بالعكس، ومن الحاضر إلى الماضي، ومن مكان أليف إلى مكان معاد من خلال ضابط إيقاعي سردي داخلي هو الموسيقى التي شكلت نصا غائبا أو موازيا للأحداث الروائية .

رواية " في انتظار فرج الله القهار " رواية عراقية بحق تتحدث بفنية عالية عن الوجع العراقي وعن هذا النسيج الاجتماعي ألاثني واللغوي المتنوع والثقافي الفسيفسائي المتباين للمجتمع العراقي، وهي صرخة ضد العنف والاستلاب والكراهية وضد كل الأنظمة الشمولية التي تستلب إرادة الإنسان وحريته .ولذا فهي دفاع عن الحياة وبمعنى آخر دفاع إنساني ودنيوي عن الأمل الذي نصنعه بأنفسنا ولا يمكن لنا أن ننتظر قدومه من المجهول مثل انتظار جودو في مسرحية صموئيل بيكيت المعروفة  "  في انتظار غودو ".